هل انتهت الأزمة بين باريس والجزائر؟

في مقال سابق، توقعنا أن تحصل الانفراجة في العلاقات الفرنسية الجزائرية، وذكرنا بأن مصالح الجزائر العليا تقتضي التهدئة، لأنها في أمسّ الحاجة إلى دور فرنسي، لتخفيف الضغط الأوروبي والأمريكي عليها، وأن قضية بوعلام صنصال ستجد حلها عن طريق مسطرة العفو التي بيد الرئيس الجزائري.
في فاتح أبريل /نيسان الجاري تلقّى رئيس الجمهورية الجزائرية، عبد المجيد تبون، اتصالا هاتفيا من نظيره الفرنسي، إيمانويل ماكرون، بمناسبة عيد الفطر، ليضع بذلك حدا لتدهور العلاقة بين البلدين، ويوضح الإطار العام للتهدئة، وخارطة الطريق لإصلاح العلاقات الفرنسية الجزائرية.
من المهم أن نلاحظ أن مضمون المكالمة، ركّز كثيرا على قضية مرجعية إصلاح العلاقة بين البلدين، تماما كما حرص الرئيس الجزائري في رسائله لفرنسا، حين ذكر بأن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هو المرجعية في إنهاء حالة التوتر بين البلدين، ففي الاتصال الهاتفي، تم التذكير بمرجعية لقاء أغسطس/ آب 2022، وما يعنيه بالنسبة إلى الجزائر من إشارة إلى ملف الذاكرة، أي إنشاء اللجنة المشتركة للمؤرخين الفرنسيين الجزائريين، وضرورة أن تستكمل هذه اللجنة، حتى تنهي بهدوء مسارا من التوتر بين البلدين حول هذا الملف.
فالرئيس الفرنسي، حاول أن يرد للرئيس الجزائري التحية بمثلها، ويحفظ ماء وجه الرئيس الجزائري، الذي اضطر للخضوع في معركة كسر العظم مع فرنسا، من خلال التأكيد على ما تم الالتزام به في لقاء أغسطس 2022 حول ملف الذاكرة.
لكن رسائل المرجعية والمجاملة وحفظ ماء الوجه في هذا الاتصال لم تكن لتغطي عن حقيقة التوتر، والأسباب الحقيقية التي دفعت الجزائر للخضوع في نهاية المطاف، فقد أكد الاتصال الهاتفي مضمون رسالة الرئيس الجزائري مع وسائل الإعلام الجزائرية، من أن ملف الصحراء، أصبح خارج اعتبارات العلاقات الفرنسية الجزائرية، وأن الجزائر لم يعد يهمها موقف باريس من هذا الملف، ولا طبيعة علاقتها المتقدمة مع الرباط، وهو تحول مفصلي في السياسة الخارجية الجزائرية، لا يوجد تفسير له، سوى أنها لم تعد تتحمل المسار المتوتر الذي وصلت إليه العلاقات الفرنسية الجزائرية.
مضمون الاتصال الهاتفي، يعطي بعض الإشارات التي تفسر هذا التحول، فإذا كان الربح الوحيد للجزائر أنها بهذه التهدئة، ستنهي في الظاهر مسارا من التوتر بين البلدين، فإن الاعتبار الاستراتيجي الذي كانت تتخوف منه، وهو أن تلعب فرنسا دورا سلبيا في توجيه الاتحاد الأوربي نحو الضغط على الجزائر، تماما، كما حصل في اللحظة التي كانت تعتزم الجزائر فيها شراء ما يقارب 17 مليار دولار من الأسلحة من موسكو، فخضعت للضغط الأوربي و الأمريكي، فانتهجت سياسة تعاكس أهداف موسكو الاستراتيجية في المنطقة، فانتهى بها المطاف إلى أن تجد نفسها خارج البريكس، بموقف روسي صارم عبّر عنه وزير الخارجية سيرغي لافروف، حين علل عدم قبول بعض الدول لعضوية البريكس، بقضية استقلال القرار السيادي.
الجزائر كما يبدو في مضمون الاتصال الهاتفي كسبت جزئيا هذا الرهان، فقد تعهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بدعم فرنسا لمراجعة اتفاق الشراكة بين الجزائر والاتحاد الأوربي، وهو طموح جزائري قديم، لم تستطع أن تحققه، فبسبب إبرام هذه الشراكة (دخلت حيز التنفيذ عام 2005) في ظروف ضعف الاقتصاد الجزائري، وتهاوي أسعار النفط، صب مضمونها في صالح الاتحاد الأوربي، وتضرر الاقتصاد الوطني الجزائري (خسارة مداخيل بـ 30 مليار دولار حسب تقديرات بعض الاقتصاديين الجزائريين) وانهارت كثير من الصناعات المحلية بسببها، وهي اليوم، تتطلع أن يساعد الدعم الفرنسي في تجديدها بما يحقق التوازن في المصالح الجزائرية والأوربية.
مؤكد أن للجزائر كلفة ستؤديها حسب مضمون هذا الاتصال، لاسيما في مجال التعاون في مجال الهجرة، فالظاهر أن الجزائر تعتزم تقديم تنازلات مؤلمة بهذا الخصوص، وذلك خلافا للرفض الذي أبدته لرغبة فرنسا تعديل اتفاقية الهجرة لعام 1968، فما من شك أن اشتراط الموثوقية والفعالية في الاستئناف الفوري للتعاون في مجال الهجرة، وكذا التأكيد على «معالجة جميع جوانب حركة الأشخاص بما يستجيب لانشغالات كلا البلدين»، يعكس نوعا من الخضوع للضغط الفرنسي، وبشكل خاص مطالب وزارة الداخلية الفرنسية.
الكلفة الأخرى التي ستدفعها الجزائر، تتعلق بمجال التعاون الاقتصادي، فخلافا لتصريحات الرئيس الجزائري، التي كانت تنتقد على الاستثمار الأجنبي، عدم تمليكه الجزائر مهارات التصنيع، فقد تم التأكيد في الاتصال الهاتفي على أهمية تطوير التعاون الاقتصادي وتعزيز التجارة والاستثمار بين البلدين، وهو ما يعني إنهاء التضييق على الاستثمارات الفرنسية، وعودة الوتيرة العالية لتدفق السلع الفرنسية إلى الجزائر بعد ان اتخذت في فترات التصعيد بين البلدين إجراءات تضيق على استيراد المنتجات الفرنسية.
والكسب الأكبر، بالنسبة لباريس، يتمثل في تدفق الغاز الجزائري لأوروبا، أي إعادة صفقة أغسطس 2022 بتفضيلات جزائرية إلى باريس.
الكسب المشترك بين البلدين، ينصب أساسا على قضية التعاون الأمني، لاسيما بعد تصاعد التحديات الأمنية في منطقة الساحل جنوب الصحراء، وتعاظم نشاط الحركات المسلحة في شمال مالي وجنوب الجزائر، إذ يتمحور هذا التعاون بالأساس على قضية استئناف التعاون الأمني في مجال مكافحة الحركات الجهادية في منطقة الساحل، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، بما يمكّن من احتواء الجماعات المسلحة والجماعات النشطة في الاتجار بالأسلحة والمخدرات والبشر، لاسيما بعد أن سجلت الجزائر تهديدا أمنيا في مستوى غير مسبوق بعد دخول طائرة مسيرة لحدودها بكيلومترين، وقامت بإسقاطها وسط تكتم رسمي عن مصدر الطائرة والجهة المسؤولة عنها.
بعض وجهات النظر الجزائرية، ترى أن الضربة التي تلقاها اليمين الفرنسي المتطرف (قرار المحكمة بسجن زعيمة هذا اليمن مارين لوبين أربع سنوات) قد خفف الضغط على الرئيس الفرنسي، وسهّل المضي بسرعة في إنهاء التوتر بين الجزائر وفرنسا، دون أن تكون الجزائر قدمت أي تنازل لفرنسا، والواقع، أن الاعتبارات البروتوكولية والدبلوماسية، تُرجح وجود حوارات في أورقة خارجية البلدين مهّدت لهذا الاتصال، وأن قرار الجزائر إخراج قضية المغرب وصحرائه والعلاقات الفرنسية المغربية من الاعتبار، وكذا الوضع الإقليمي والدولي غير المريح، هو الذي دفع نحو هذه الخطوة، وأن فرنسا، التي حولت الضغط في موضوع بوعلام صنصال، إلى مجرد طلب لفتة إنسانية، إنما يعكس ذلك اتفاقا بين البلدين، على أن يتم إنهاء الضغط الفرنسي في مقابل أن يقوم الرئيس الجزائري بتفعيل صلاحيته في العفو لإنهاء هذا الملف.
ومع كل هذه المؤشرات الإيجابية على عودة العلاقات الطبيعية بين باريس والجزائر، فلا شيء لحد الآن محسوم، ولا تزال زيارة وزير الخارجية الفرنسي المرتقبة للجزائر الأحد المقبل، تحمل معها الكثير من الملفات، التي من الممكن أن تعالج، ومن الممكن أن يتحرك فيها المزاج مرة أخرى، بما يؤجل زيارة الرئيس الفرنسي للجزائر أو زيارة الرئيس الجزائري لفرنسا، كما حصل في السابق.
والتقدير، أن فرص إنهاء الأزمة هي أكبر من بقاء الوضع على ما كان عليه، فلا الجزائر ولا فرنسا تتحملان أجواء التصعيد، لاسيما بعد أن جربت فرنسا مكاسب أغسطس 2022 من الامتيازات الطاقية، وبعد أن تنازلت الجزائر عن عقدة الصحراء والعلاقات المغربية الفرنسية في تبرير علاقتها بباريس، وبعد أن التقطت باريس إشارة من الرئيس الجزائري بخصوص بوعلام صنصال، وقضية معالجة ملف المهاجرين الجزائريين.
بلال التليدي/ كاتب وباحث مغربي
نقلا عن القدس العربي