النساء في مواجهة العنف الانتخابي.. مريم جمال الإدريسي تفتح ملف المناصفة والتمييز الإيجابي

مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المرتقبة في شتنبر 2026، يعود النقاش حول حضور النساء في الحياة السياسية المغربية إلى الواجهة، ليس فقط من بوابة عدد المقاعد التي يمكن أن تحصدها المرشحات، وإنما أيضًا من زاوية الظروف التي تحيط بمشاركتهن في العملية الانتخابية، ومدى قدرتهن على خوض المنافسة في فضاء سياسي وإعلامي ورقمي يزداد حدة.

وفي هذا السياق، دقت مريم جمال الإدريسي، عضو المجلس الوطني لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والمحامية بهيئة الدار البيضاء والفاعلة الحقوقية، ناقوس الخطر بشأن ما تعتبره عوائق جديدة أصبحت تهدد المشاركة السياسية للنساء، مؤكدة أن الإشكال لم يعد مرتبطًا فقط بالقوانين والآليات الانتخابية، وإنما امتد إلى الفضاء الرقمي الذي أفرز أشكالًا مستحدثة من العنف السياسي والتهميش والإقصاء.

ومن خلال نصين نشرتهما على صفحتها بموقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، تناولت الإدريسي موضوعين مترابطين؛ الأول يتعلق بـ”الأمن الانتخابي للنساء”، والثاني يناقش إشكالية “التمييز الإيجابي بين إنصاف الكفاءات النسائية وسؤال المساواة القانونية”. وبين الموضوعين، تطرح الحقوقية سؤالًا مركزيًا حول حقيقة المناصفة السياسية: هل يكفي فتح أبواب الترشح أمام النساء، إذا كانت بيئة المنافسة نفسها تسمح باستعمال التشهير والتنمر والابتزاز المعنوي لتصفية الحسابات السياسية؟

ترى الإدريسي أن التحولات التي عرفها المجال السياسي خلال السنوات الأخيرة جعلت من الفضاء الرقمي جزءًا أساسيًا من المعركة الانتخابية، غير أن هذا الفضاء لا يتحول دائمًا إلى مجال للنقاش الديمقراطي وتبادل الأفكار، بل قد يصبح أداة لاستهداف المرشحات والتقليل من شأنهن، خصوصًا عندما تنتقل المواجهة من نقد البرامج والمواقف إلى المساس بالحياة الشخصية والسمعة والكرامة.

وتحذر من أن العنف الرقمي يمكن أن يؤدي وظيفة سياسية خطيرة، تتمثل في دفع النساء إلى الانسحاب من المجال العام أو الحد من حضورهن وتفاعلهن، بعدما أصبحت منصات التواصل الاجتماعي ساحة مفتوحة لحملات التشويه والتبخيس والتنمر.

وبالنسبة إليها، فإن مناقشة مشاركة النساء في الانتخابات لا يمكن أن تقتصر على ضمان حق الترشح أو تخصيص مقاعد لهن، لأن المشاركة السياسية الفعلية تفترض كذلك توفير شروط المنافسة الآمنة والعادلة، وحماية المرشحات من مختلف أشكال الاستهداف التي قد تحول دون ممارسة حقهن السياسي بشكل طبيعي.

وفي الجانب الآخر من طرحها، تعيد الإدريسي فتح النقاش حول التمييز الإيجابي، باعتباره إحدى الآليات التي لجأت إليها العديد من الأنظمة الديمقراطية من أجل معالجة اختلالات تاريخية في تمثيلية النساء داخل المؤسسات المنتخبة.

وتعتبر أن اختزال “الكوطا” في كونها امتيازًا ممنوحًا للنساء يغفل السياق الاجتماعي والسياسي الذي أفرز الحاجة إليها. فالمساواة القانونية، بحسب هذا الطرح، لا تعني بالضرورة وجود مساواة فعلية في فرص الوصول إلى مواقع القرار، خصوصًا عندما تكون هناك عوامل اجتماعية واقتصادية وثقافية تجعل المنافسة غير متكافئة منذ البداية.

ومن هذا المنطلق، ترى الإدريسي أن الدعوات إلى التخلي عن آليات التمييز الإيجابي ينبغي أن تأخذ بعين الاعتبار مدى تغير الشروط التي أدت أصلًا إلى اعتمادها. فإذا ظلت الاختلالات قائمة، فإن إلغاء التدابير الخاصة قد لا يؤدي بالضرورة إلى منافسة أكثر عدالة، وإنما قد يعيد إنتاج الإقصاء بأشكال جديدة.

وتتجاوز مريم جمال الإدريسي في طرحها النقاش التقني حول عدد المقاعد أو طبيعة اللوائح، لتضع المناصفة نفسها أمام سؤال سياسي وأخلاقي: هل يتم التعامل مع النساء باعتبارهن كفاءات قادرة على صناعة القرار، أم باعتبارهن مجرد أرقام تستعمل لاستكمال الصورة الانتخابية؟

فالمناصفة، في تصورها، لا ينبغي أن تتحول إلى عملية حسابية مرتبطة بالحضور العددي فقط، ولا إلى ورقة للمساومة داخل الأحزاب، وإنما يفترض أن تكون وسيلة حقيقية لفتح المجال أمام الكفاءات النسائية للوصول إلى مواقع المسؤولية والمساهمة في صناعة القرار.

وتحذر في هذا الإطار من أن تتحول المنافسة السياسية إلى مجال تحكمه الإمكانيات المالية وشبكات النفوذ والعلاقات، لأن ذلك من شأنه أن يجعل مبدأ تكافؤ الفرص مجرد شعار، ويضعف قدرة الكفاءات النسائية على الوصول إلى المؤسسات المنتخبة على أساس البرنامج والكفاءة والاستحقاق.

ويكشف مجموع مواقف الإدريسي عن تصور يقوم على معركة مزدوجة؛ الأولى تتعلق بحماية النساء من العنف السياسي والرقمي وكل أشكال التشهير والتبخيس التي يمكن أن ترافق مشاركتهن في الانتخابات، والثانية مرتبطة بضمان آليات انتخابية تمكن الكفاءات النسائية من المنافسة الفعلية والوصول إلى مواقع القرار.

فالمطلوب، وفق هذا التصور، ليس مجرد رفع نسبة حضور النساء داخل المجالس المنتخبة، وإنما بناء شروط سياسية ومؤسساتية واجتماعية تجعل هذا الحضور منتجًا وفاعلًا، وتمنح المرأة القدرة على التعبير عن مواقفها والدفاع عن برامجها دون أن تتحول شخصيتها أو حياتها الخاصة إلى مادة للاستهداف السياسي.

ومع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، يفرض هذا النقاش نفسه بقوة على الأحزاب السياسية والمؤسسات والمجتمع المدني، خصوصًا أن الرهان لم يعد مقتصرًا على إدماج النساء في العملية الانتخابية، بل أصبح مرتبطًا بجودة هذا الإدماج وشروطه ونتائجه.

فالرهان الحقيقي، كما يمكن استخلاصه من طرح الإدريسي، يتمثل في الانتقال من مجرد تمثيلية نسائية شكلية إلى مشاركة سياسية حقيقية، يكون فيها معيار الكفاءة حاضرًا إلى جانب ضمان تكافؤ الفرص، وتكون فيها المناصفة أداة للإنصاف لا وسيلة للتزيين الانتخابي.

وفي النهاية، فإن النقاش الذي تفتحه مريم جمال الإدريسي يتجاوز سؤال “الكوطا” في حد ذاته، ليصل إلى جوهر الديمقراطية: كيف يمكن بناء منافسة انتخابية تضمن للمرأة حقها الكامل في الترشح والتعبير والمنافسة والوصول إلى القرار، دون أن تضطر إلى دفع ثمن سياسي أو اجتماعي أو رقمي مقابل ممارسة هذا الحق؟

ذلك أن الديمقراطية لا تُقاس فقط بعدد النساء اللواتي يصلن إلى المؤسسات المنتخبة، وإنما أيضًا بمدى قدرتهن على الوصول إليها في ظروف عادلة وآمنة، وعلى أساس الكفاءة والاستحقاق، بعيدًا عن العنف والتشهير والهيمنة المالية والمساومات السياسية.

مقالات ذات صلة