قانون المحاماة الجديد وسمو الاتفاقيات الدولية على التشريع الوطني

محمد امغار
محام بهيئة الدارالبيضاء
دكتور في العلوم السياسية

في انتظار قرار المؤسسات المهنية المرتقب الملزم لنا مهنيا واخلاقيا يمكن القول إن عدم بتّ المحكمة الدستورية في قانون المحاماة المحال عليها من طرف رئيس مجلس النواب، والذي يُفهم منه وجود إشكالات جدية تتعلق بدستورية العديد من المقتضيات التي يتضمنها، يجعل الأسرة الحقوقية وأسرة الدفاع أمام مسؤولية المطالبة بتطبيق المبادئ الدستورية التي تقرّ أولوية الاتفاقيات الدولية، التي صادقت عليها المملكة المغربية، على التشريعات الوطنية ومنها قانون المحاماة الجديد ، متى كانت هذه الاتفاقيات جزءاً من المنظومة القانونية الوطنية بالمصادقة عليها ونشرها بالجريدة الرسمية وفق ما نص عليه دستور المملكة في تصديره والذي جاء فيه : جعل الاتفاقيات الدولية، كما صادق عليھا المغرب، وفي نطاق أحكام
الدستور، وقوانين المملكة، وھويتھا الوطنية الراسخة، تسمو، فور نشرھا،على التشريعات الوطنية، والعمل على ملاءمة ھذه التشريعات، مع ما تتطلبه تلك المصادقة . مع العلم ان التصدير جزأ لايتجزأ من الدستور .
ذلك أن المحاكم المغربية، متى تعارض مقتضى تشريعي وطني مع مقتضى اتفاقية دولية صادقت عليها المملكة وأصبحت نافذة وفق الشروط الدستورية والقانونية، تكون مطالبة بإعمال قواعد الاتفاقية الدولية في حدود ما يسمح به الدستور والقانون، واستبعاد تطبيق المقتضى الوطني المتعارض معها وخاصة اذا كان موضوع شبهة عدم الدستورية بحكم احالته على المحكمة الدستورية وعدم بت هذه الاخيرة في ماذا مطابقته للدستور .
وتكتسي هذه القاعدة أهمية خاصة في الحالة الراهنة، بالنظر إلى ما أثير من إشكالات دستورية حول عدد من مقتضيات قانون المحاماة،ومما يؤكد مخالفة المقتضيات المنصوص عليها في القانون الجديد الملاحظات التي تضمنتها مراسلة المقررة الاممية المعنية باستقلال القضاء والمحاماة والموجهة للحكومة المغربية والتي انتقدت من خلالها منح وزارة العدل دورا محوريا في تكوين المحامين وتدريبهم وتقييمهم، مما يتعارض مع استقلالية المهنة وتنظيمها الذاتي.كما اعتبرت المقررة الاممية أن مواد المشروع من 90 إلى 100 تخضع قرارات هيئات المحامين لآليات رقابة وإشراف إداري وتقيد صلاحيات المجالس المنتخبة.كما سجلت تخوفها من توسيع صلاحيات النيابة العامة في مباشرة ومتابعة الإجراءات التأديبية، بما يخل بالتوازن وحصانة الدفاع.
و نبهت إلى أن تقليص الحالات التي تصبح فيها الاستعانة بمحامٍ إلزامية يضعف شروط المحاكمة العادلة وتكافؤ الوسائل في الدفاع والولوج المتبصر الى العدالة .كما أشارت نفس المقررة الاممية إلى عدم توفر ضمانات كافية لحماية السر المهني للمحامين أثناء إجراءات تفتيش مكاتبهم.
وهذه ملاحظات تؤكد بدورها عدم توفر شروط الدستورية في القانون الجديد و تؤكد ما رافق ذلك من إحالة القانون على المحكمة الدستورية والتي لم تبت في دستوريته من عدمها خلافا لحكمها السابق المتعلق بالمسطرة المدنية .
لذلك ومن هذا المنطلق الحقوقي فمبدأ سمو الدستور، والالتزام بالاتفاقيات الدولية، وحماية الحقوق والحريات، تفرض جميعها قراءة النصوص التشريعية المنصوص عليها في قانون المحاماة الجديد على ضوء المنظومة الدستورية والالتزامات الدولية للمملكة المغربية واعطاء الاولوية للمقتضيات المنصوص عليها في الاتفاقيات الدولية من طرف المحاكم تنزيلا للمبدأ الدستوري الذي يعطيها الاولوية .
والأكيد أن الاطلاع على المقتضيات الواردة في الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بالمحاكمة العادلة، والحق في الدفاع، واستقلال القضاء، واستقلال مهنة المحاماة، والتي صادقت عليها المملكة المغربية، إلى جانب استحضار المبادئ التي كرسها دستور 2011 في مجال الحقوق والحريات وضمانات المحاكمة العادلة، سيُظهر بوضوح المقتضيات الواردة في قانون المحاماة الجديد التي يمكن أن تكون محل دفع ومناقشة من حيث مدى انسجامها مع هذه المبادئ والالتزامات الدولية.
ومن ثم، فإن مقتضيات قانون المحاماة التي يثبت تعارضها مع الدستور أو مع الالتزامات الدولية للمملكة في مجال حماية الحقوق والحريات وضمانات الدفاع، ينبغي أن تكون محل مطالبة باستبعاد تطبيقها، كلما توافرت الشروط القانونية والدستورية لذلك، باعتبار أن الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها المملكة المغربية تسمو، وفق ما أقره الدستور، على التشريعات الوطنية ومنها قانون المحاماة الجديد.
ومن جهة أخرى، فإن دخول القانون حيز التنفيذ لا يحول دون ممارسة الحق في الدفع بعدم دستورية مقتضياته، متى كانت هذه المقتضيات واجبة التطبيق على النزاع، وكان من شأنها المساس بالحقوق والحريات التي يضمنها الدستور، وذلك وفقاً لما نص عليه الفصل 133 من الدستور والقانون التنظيمي المتعلق بتحديد شروط وإجراءات تطبيق الدفع بعدم دستورية قانون.
وختاما وليس اخيرا فان الدفاع عن الحقوق والحريات ليس موقفاً ظرفياً، ولا يرتبط بمرحلة تشريعية معينة، وإنما هو مسلسل إنساني ودستوري لا يتوقف ما دامت الحياة البشرية مستمرة، وما دام هناك مؤمنون بدولة الحق والقانون، وباستقلال القضاء، واستقلال المحاماة، وبحق كل إنسان في محاكمة عادلة وضمانات حقيقية لممارسة حقه في الدفاع.

مقالات ذات صلة