التطور الأكاديمي في تدريس مقارنة الأديان جامعيا: من ماستر الدراسات السامية إلى ماستر اللغات والحضارات الشرقية. ” سبعة عشر عاما من العطاء الأكاديمي والبحثي2007-2024″ بجامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس-فاس
سامية عشيري طالبة باحثة في سلك الدكتوراه، تخصص مقارنة الأديان، تكتب عن التطور الأكاديمي في تدريس مقارنة الأديان جامعيا
تقديم:
يعيش العالم اليوم على وقع تحولات متسارعة تجعل الحوار بين الثقافات والأديان أكثر إلحاحا من أي وقت مضى؛ فالتنوع الديني لم يعد مجرد ظاهرة تستدعي التأمل الفلسفي، بل بات واقعا يوميا تتشابك فيه الهويات وتتقاطع المرجعيات وتنشأ بسببه إشكاليات معقدة في صميم المجتمعات الإنسانية. وفي مثل هذا المناخ، تتأكد الحاجة الماسة إلى تكوين أكاديمي متخصص قادر على مقاربة الظاهرة الدينية بعمق علمي رصين وأفق منهجي منفتح، بعيدا عن الأحكام المسبقة والقراءات الأحادية.
وفي هذا السياق، تحتل الدراسات الدينية المقارنة مكانة علمية بالغة الأهمية في المنظومة المعرفية الإنسانية، إذ لا يتوقف أثرها عند حدود الفصل الدراسي أو الأطروحة الأكاديمية، بل يمتد ليمس أعمق التساؤلات التي تشغل الإنسان المعاصر: كيف ننظر إلى من يختلف عنا في إيمانه؟ وكيف نبني جسورا حقيقية للتفاهم في عالم تتعمق فيه الفجوات؟ وكيف نحافظ على هويتنا دون أن نغلق أبوابنا في وجه الآخر؟ هذه التساؤلات تحديداً هي التي تجعل تكوين المتخصصين في هذا الحقل ضرورة حضارية لا رفاهية أكاديمية.
وانطلاقا من هذه القناعة الراسخة، احتضنت جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس تجربة أكاديمية رائدة، حين أطلقت كلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس برنامج ماستر الدراسات المقارنة بنسخته، وهو برنامج لم يكن مجرد إضافة إلى قائمة التخصصات الجامعية، بل كان رهانا فكريا على قيم الحوار والتسامح والمعرفة الموضوعية. وما هذا المقال إلا محاولة لاستحضار هذه التجربة وتأمّل مساراتها وقراءة ما أثمرته من إنجازات، بوصفها نموذجا يستحق الدراسة والإشادة ويستدعي التطوير والاستمرار.
▪ الدكتور أحمد شحلان: المؤسّس الذي أضاء الطريق
حين نروم استجلاء جذور هذا النجاح الأكاديمي والكشف عن ينابيعه الأولى، لا بد أن تتوقف أقلامنا بإجلال واحترام عند شخصية علمية فذّة تركت بصمتها الراسخة في تاريخ هذا التخصص بالمغرب، وهي شخصية الدكتور أحمد شحلان، ذلك الأكاديمي الرائد الذي يستحق بجدارة أن ينعت بأبي الدراسات الدينية المقارنة في الفضاء الجامعي المغربي.
لم يكن الطريق الذي اختاره الدكتور شحلان مفروشا بالورود، بل كان طريقا وعرا يفتقر إلى الأدلة والخرائط في مرحلة كانت فيها الدراسات الدينية المقارنة تكاد تكون مجهولة النسب في المؤسسة الجامعية المغربية، غير أن هذا الأكاديمي المتمكن آثر أن يشقّ طريقه بنفسه، مسلحا بعلمه الغزير وإيمانه الراسخ بأهمية هذا الحقل المعرفي وضرورة تأصيله وترسيخه في الجامعة المغربية.
فالدكتور شحلان لم يكن مجرد أستاذ يلقي دروسه ويغادر القاعة، بل كان مفكرا استراتيجيا يرى أبعد مما يراه كثيرون، وأكاديميا يؤمن بأن العلم رسالة قبل أن يكون مهنة. وقد انتبه مبكرا، حين لم يكن كثيرون يدركون الأمر، إلى أن الدراسات الدينية المقارنة ليست ترفا فكريا ولا هامشا أكاديميا، بل هي في صميم الحاجات الفكرية والثقافية لمجتمعات تتعايش فيها الأديان والثقافات وتتقاطع فيها الهويات وتتشابك.
كما أدرك بثاقب بصيرته العلمية أن العالم يسير بخطى متسارعة نحو مزيد من الاحتكاك بين الحضارات، وأن الفهم العلمي الرصين للأديان والمنظومات الروحية لا الموقف الإيديولوجي المسبق هو وحده الكفيل بتهيئة العقول لإدارة هذا التنوع بحكمة وتبصّر.
وعلى هذا الأساس الراسخ، بذل الدكتور شحلان جهودا علمية جبارة في تأسيس هذا الحقل وتأطيره منهجيا ومعرفيا، من خلال إنتاج علمي غزير يجمع بين العمق المنهجي والسعة المعرفية، ويمزج بين الأصالة في استحضار التراث الإسلامي الكلاسيكي في تعاطيه مع الظاهرة الدينية والانفتاح على المناهج الغربية الحديثة في دراسة الأديان، لتنبثق من هذا المزج الخلاق رؤية منهجية خاصة تحمل بصمته وتعكس تميّزه.
وقد ظلت مؤلفاته ودراساته مرجعا لا غنى عنه لكل باحث يرتاد هذا الحقل في المغرب والعالم العربي، حتى باتت تشكّل مكتبة علمية متكاملة تجسّد مسيرة فكر نير وأكاديمي مجدّد لم يدخر وسعاً في خدمة المعرفة الإنسانية.
ولا يقتصر الفضل العلمي للدكتور شحلان على إنتاجه البحثي الخاص، بل يمتد ليشمل دوره الرائد في التأطير البيداغوجي والتكوين الأكاديمي، إذ أمضى سنوات طويلة في تربية أجيال من الطلبة وتنشئتهم على حب المعرفة وروح النقد والقدرة على الحوار مع الآخر من موقع الواثق المتمكن لا الخائف المتحصّن.
وإذا كان للتاريخ العلمي أن ينصف أصحابه، فإن اسم الدكتور أحمد شحلان سيبقى محفورا بأحرف من نور في سجل الريادة الأكاديمية المغربية في مجال الدراسات الدينية المقارنة.
▪ الدكتور سعيد كفايتي: الأمانة العلمية في خدمة الاستمرارية والتجديد.
إذا كان الدكتور أحمد شحلان قد وضع الحجر الأساس وأرسى الركائز الأولى، فإن الدكتور سعيد كفايتي كان الأمين على هذا الإرث العلمي، الساهر على صونه وتطويره وتجديده؛ فقد أضفى الدكتور كفايتي على إشرافه الأكاديمي طابعا خاصا يجمع بين الرسوخ العلمي والمرونة البيداغوجية، من خلال ماستر الدراسات السامية ومقارنة الأديان الذي أسسه سنة 2007 في إطار شعبة اللغة العربية وآدابها، ثم ماستر اللغات والحضارات الشرقية ومقارنة الأديان الذي أسسه سنة 2016، مما أسهم في تطوير مسلك الماستر من الداخل وتعزيز مكانته في المحيط الجامعي والأكاديمي المغربي، دون أن يتخلى عن الروح المؤسسة التي ضخها الدكتور شحلان في عروق هذا التكوين.
وقد اتسم نهج الدكتور كفايتي في التكوين بالحرص على تزويد الطلبة بأدوات البحث العلمي الحديثة وتمكينهم من المناهج المقارنة الرصينة، مع تعميق قدرتهم على التحليل النقدي والتفكير المستقل، في منهج تكاملي يرفض الانغلاق على مرجعية واحدة ويدعو إلى الانفتاح المعرفي المنضبط بضوابط الصرامة العلمية والأمانة الأكاديمية. وقد أتاح هذا المنهج للطلبة أن يمزجوا بين التكوين اللغوي المتين والدراسة التاريخية المعمّقة والتحليل الفلسفي الدقيق والنقد المقارن المنهجي، فخرجوا بكفاءات بحثية متعددة الأبعاد نادرا ما تجتمع في تخصص جامعي واحد.
▪ 257 بحثا حصيلة تروي قصة النجاح بلغة الأرقام
حين تتكلم الأرقام، يصمت الجدل ويخرس التشكيك، وخير دليل على ذلك الأرقام التي حققها ماسترمقارنة الأديان بنسختيه والذي انطلقت تجربته سنة 2007 وشهد مناقشة أولى بحوثه سنة 2009، وهي أرقام تروي بجلاء قصة نجاح أكاديمي ممتد عبر الزمن. فعلى طول الفترة الممتدة بين الموسم الجامعي 2014 -2007 والموسم الجامعي 2015-2024، أنجز الطلبة في إطار هذا التكوين ما مجموعه 257 بحثاً جامعياً، وهو رقم يبدو في ظاهره مجرد إحصاء، لكنه في حقيقته شهادة حية على حيوية هذا التكوين واستمراره وقدرته على استقطاب الطلبة وإلهامهم وتحفيزهم على الإنتاج العلمي عاما بعد آخر.
وتكشف هذه البحوث حين يتأملها الباحث عن تنوع معرفي لافت للنظر، يعكس بدوره سعة الأفق المنهجي والمعرفي لهذا التكوين وقدرته على استيعاب مختلف الإشكاليات الفكرية والدينية والحضارية؛ فقد امتدت هذه الأبحاث لتشمل دراسة الأديان الإبراهيمية الكبرى في سياقاتها التاريخية والعقدية والفلسفية، كما تناولت الديانات الشرقية بمختلف مدارسها وتياراتها من البوذية والهندوسية وما بينها من تجارب روحية عميقة تنتمي إلى الإرث الإنساني المشترك. فضلاً عن ذلك، تصدّت هذه البحوث لقضايا الحوار الديني في أبعاده الفكرية والاجتماعية والسياسية، وللدراسات الحضارية المقارنة التي تستحضر مسيرة الإنسانية عبر حضاراتها الكبرى في محاولة لفهم قوانين الصعود والهبوط وسنن التحول والتغيير.
ولم تتوقف الموضوعات عند هذه الحدود، بل تجاوزتها لتطال فضاءات موضوعاتية أكثر تخصصا وندرة، كالفكر الأندلسي بما يمثّله من نموذج فريد للتعايش الحضاري والإبداع الفكري في لحظة تاريخية استثنائية، والتراث العبري بما يزخر به من عمق فلسفي وغنى روحي يستحق الدراسة والتأمل، إضافة إلى موضوعات الروحانيات المقارنة والأخلاق الدينية في منظور مقارن وسواها من الموضوعات التي تكشف عن مدى انفتاح هذا التكوين على أوسع آفاق التجربة الدينية الإنسانية.
وإذا استحضرنا أن هذه البحوث التي أُنجزت على مدى سبعة عشر عاما متواصلة دون انقطاع، أدركنا حجم الإرادة المؤسسية والرسوخ الأكاديمي اللذين ميّزا هذا الماستر وجعلاه قادرا على الصمود في وجه كل التحولات والتقلبات التي شهدتها الجامعة المغربية خلال تلك الحقبة.
▪ خريجون أثبتوا الجدارة في ميادين متعددة
لعل أبلغ دليل على نجاح أي تكوين أكاديمي هو ما يفضي إليه من مسارات علمية ومهنية لخريجيه، وهنا أيضا يقدّم ماستر الدراسات الدينية المقارنة شهادته الأكثر إقناعا.
فقد أثبت خريجو هذا التكوين جدارتهم في ميادين متعددة وأثروا بحضورهم فضاءات علمية وثقافية متنوعة، بما يكشف عن القيمة الفعلية للكفايات التي يمنحها هذا التخصص لأصحابه؛ فعلى صعيد المسار الأكاديمي البحثي، واصل عدد لافت من خريجي الماستر مساراتهم العلمية في سلك الدكتوراه، منخرطين في بحوث علمية متخصصة تستكشف إشكاليات دينية وحضارية بعمق وجدية، بعضهم في جامعات مغربية وبعضهم الآخر في جامعات أجنبية، مما يجسّد الأثر الفعلي لهذا التكوين في مدّ جسور الإشعاع المعرفي المغربي خارج الحدود الجغرافية.
وقد أسفرت هذه المسارات البحثية عن أطروحات علمية رصينة ودراسات أكاديمية جادة أضافت لبنات معرفية جديدة في صرح الدراسات الدينية المقارنة وأغنت المكتبة الجامعية المغربية بمحتوى علمي ذي قيمة مضافة حقيقية.
أما على الصعيد المهني، فقد انتشر خريجو هذا الماستر في مجالات متعددة وأثبتوا قدرتهم على التكيف مع متطلبات سوق الشغل المتحوّلة. فمنهم من التحق بمؤسسات التعليم الثانوي والجامعي، حاملا معه بصيرة التفكير المقارن وروح الحوار الرصين، ومنهم من انخرط في مجال الصحافة والإعلام الديني محتاجا في عمله إلى تلك القدرة على تحليل الظواهر الدينية والفكرية وتقديمها بأسلوب علمي رصين في آن واحد.
وفي كل هذه المسارات، كان الجامع المشترك هو ذلك التكوين العلمي المتكامل الذي تلقّاه هؤلاء الخريجون في رحاب هذا الماستر، والذي زوّدهم بأدوات فكرية ومنهجية استطاعوا توظيفها في سياقات متباينة بمرونة واقتدار.
▪ قيمة الحوار في زمن التصادم
لا يمكن تقييم نجاح ماستر الدراسات المقارنة بنسختيه بمعزل عن السياق الحضاري والفكري الذي يعمل فيه، وهو سياق يزداد يوماً بعد يوم إلحاحا على نوع المعرفة التي ينتجها هذا التخصص ويروّج لها؛ فالعالم الراهن يعيش على وقع صعود التطرف الديني وتنامي خطاب الكراهية واحتقان العلاقات بين الجماعات الدينية في مناطق متعددة من المعمورة، ولا يمكن لأي مجتمع يروم التماسك الداخلي والانفتاح الخارجي أن يستغني عن الاستثمار في تكوين باحثين وأكاديميين متخصصين قادرين على قراءة هذه الظواهر بعمق وموضوعية واقتراح مقاربات فكرية وثقافية للتعامل معها.
ومن هذه الزاوية تحديدا، يتجلى البعد الاستراتيجي لهذا التكوين الأكاديمي الذي يتجاوز بكثير حدود الاهتمام الأكاديمي المحض ليمس عصب التوازن الفكري والثقافي للمجتمع المغربي في علاقته بمحيطه الإقليمي والدولي؛ فالمغرب بلد يتميز بانفتاح حضاري أصيل وتقاليد راسخة في التسامح الديني وقبول التعدد، وتكوين متخصصين في الدراسات الدينية المقارنة بما يعمّق هذا الموروث ويوفر له أدوات المعرفة العلمية الرصينة التي تحوّله من مجرد موروث ثقافي إلى منهج فكري وأكاديمي محكم.
▪ نحو آفاق أرحب “الإجازة ومستقبل التخصص”
إن المتأمل في هذه التجربة الأكاديمية الثرية لا يسعه إلا أن يتساءل: هل يكفي أن تظل هذه الدراسات حكرا على مرحلة الماستر؟
كما يفضي نجاح ماستر الدراسات الدينية المقارنة إلى سؤال مشروع وملحّ يفرض نفسه على كل متابع لهذه التجربة الأكاديمية:
ألم يحن الوقت لتوسيع مجال هذا التخصص ليشمل مرحلة الإجازة وليس فقط الدراسات العليا؟
✔ هذا السؤال ليس ترفا فكريا بل ضرورة أكاديمية تفرضها حصيلة سنوات من النجاح والتراكم العلمي.
فإحداث شعبة مستقلة للدراسات الدينية المقارنة في سلك الإجازة من شأنه أن يوفّر تكوينا أساسيا ومتدرجا يبدأ من السنة الأولى الجامعية ويرسّخ لدى الطالب منذ بداية مساره الجامعي أسس التفكير المقارن والانفتاح المنهجي على التقاليد الدينية والحضارية الإنسانية.
كما سيسهم في توسيع قاعدة المتخصصين في هذا الحقل وتكوين احتياطي بشري كبير من الباحثين القادرين على الالتحاق بمراكز البحث والمؤسسات الأكاديمية والهيئات الثقافية والدينية والدبلوماسية التي تحتاج يوماً بعد يوم إلى كفاءات متخصصة في فهم الأبعاد الدينية للعلاقات الإنسانية والدولية.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن الجامعات الأوروبية الكبرى كأكسفورد وهارفارد وليدن وفرانكفورت قد أولت هذا التخصص عناية فائقة منذ عقود، من خلال إنشاء مراكز بحثية متكاملة وأقسام أكاديمية راسخة تضم نخبة من كبار المتخصصين العالميين في الأديان المقارنة، مما أتاح لها احتكار الإنتاج المعرفي في هذا الحقل لفترات طويلة.
وقد آن الأوان للجامعة المغربية أن تنتزع حضوراً فاعلا في هذا الفضاء المعرفي وتُسهم بصوتها الخاص المنبثق من تجربتها الحضارية الفريدة في إثراء النقاش الأكاديمي العالمي حول ظاهرة الدين وأبعادها الإنسانية.
ولا يمكن فهم هذه الضرورة بمعزل عن الجذور التاريخية الضاربة في عمق التجربة المغربية؛ فاليهود عاشوا في المغرب أكثر من ألفي سنة، وأسهموا في بناء حياته الاقتصادية والثقافية والسياسية، مما يجعل دراسة التراث اليهودي دراسةً للتاريخ المغربي نفسه لا لتراث غريب عنه. وعليه، فإن من أولى مسؤوليات الجامعة توثيق هذا الإرث ودراسة مكوناته الشفهية والمعمارية والمخطوطاتية التي لا تزال تنتظر من يُعنى بها علميا.
ويمتد أثر هذا التخصص ليخدم حقول معرفية متعددة؛ إذ إن فهم اليهودية والمسيحية فهماً علمياً رصيناً يُمكّن الباحثين في التفسير والحديث والفلسفة وتاريخ الأديان من استيعاب السياقات الفكرية التي نشأت فيها كثير من القضايا الكلامية والعقدية، تلك القضايا التي لا يمكن فهم أبعادها إلا في ضوء التفاعل التاريخي العميق بين هذه التقاليد الدينية الكبرى. فضلاً عن ذلك، يُتيح هذا التخصص للمغرب أن يُعلي من شأن رصيده الفريد في التعايش بين المسلمين واليهود، ويُحوّل هذا الرصيد من إرث ثقافي إلى مرجعية أكاديمية إقليمية ودولية.
وفي هذا الإطار، تجدر الإشارة إلى أن المغرب يشهد في السنوات الأخيرة مبادرات رسمية للحفاظ على التراث اليهودي المغربي وترميم المعابد والمقابر والمواقع التاريخية، وهي مبادرات تحتاج إلى إطار علمي أكاديمي يُنتج المعرفة حولها ويدرسها ويُؤطّر مساراتها. ولا شك أن وجود مسالك جامعية متخصصة سيوفر هذا الإطار ويجعل الجامعة المغربية شريكاً فاعلاً في مسيرة الحفاظ على الذاكرة الوطنية بكل مكوناتها. كما أن الجامعات الكبرى في العالم قد أدركت مبكراً هذه الأهمية، فخصّصت لهذا الحقل أقساماً ومراكز بحثية متكاملة تُعزز التعاون الأكاديمي الدولي وتُتيح فرص البحث المشترك وتبادل الخبرات، وقد حان الأوان للجامعة المغربية أن تنضم إلى هذا الركب العلمي بثقة وجدارة.
ومن هذا المنطلق، يتوجه هذا التقرير بدعوة صريحة ومسؤولة إلى المؤسسات الجامعية والهيئات الأكاديمية والجهات الوصية على التعليم العالي في المغرب إلى العمل الجاد على ترجمة هذا المقترح إلى واقع أكاديمي ملموس، بتوفير الأطر العلمية والموارد البيداغوجية والبنية التحتية البحثية الكفيلة بإنجاح هذا المشروع التعليمي الواعد.
▪ نماذج عربية رائدة في الدراسة الأكاديمية للأديان المقارنة
وتأكيداً لهذا التوجه، تجدر الإشارة إلى أن عدداً من الجامعات العربية قد سبقت إلى فتح مسالك أكاديمية متخصصة في الدراسات الدينية المقارنة على مستوى الإجازة، وهو ما يجعل المطالبة بتطوير هذا التخصص في المغرب لتشمل مرحلة الإجازة مطالبة مدعومة بنماذج إقليمية ملموسة تثبت جدوى هذا التوجه وقابليته للتطبيق. وفيما يلي أبرز هذه البرامج في الفضاء الأكاديمي العربي:
● في لبنان
تتصدر المشهد في هذا الإطار جامعة المعارف في لبنان (Al Maaref University) التي تمنح إجازة في الأديان المقارنة، يُتيح للطالب الانكباب على دراسة اليهودية والمسيحية والإسلام في سياق مقارن يستحضر تاريخ الأديان ويعمّق المقارنة بين العقائد والنصوص الدينية الكبرى. وإلى جانبها، تقدم جامعة القديس يوسف في بيروت (Saint Joseph University of Beirut) برامج راسخة في العلوم الدينية والدراسات اللاهوتية، تُعنى خاصة بدراسة المسيحية وعلاقاتها التاريخية والفكرية باليهودية والإسلام، وإن تفاوتت مساراتها تبعاً للكلية والتخصص.
● في فلسطين
أما في فلسطين، فتبرز جامعة بيت لحم (Bethlehem University) بما تقدمه من بكالوريوس في الدراسات الدينية، يركّز على المسيحية لكنه يُؤطّرها في فضاء حوار مع الأديان الأخرى الحية في الأرض المقدسة، بما فيها اليهودية والإسلام. كما تُقدّم جامعة النجاح الوطنية برنامجاً في أصول الدين يتضمن مقررات في مقارنة الأديان والفرق والعقائد إلى جانب الدراسات الإسلامية الأصيلة.
● في الجزائر والصومال
وفي الجزائر، تعدّ جامعة الوادي (University of El Oued) من أبرز المؤسسات الجامعية العربية القليلة التي أنشأت بكالوريوساً متخصصاً مباشرة في العقيدة ومقارنة الأديان، ورغم الإهتمام المتزايد بمجال مقارنة الأديان داخل عدد من المؤسسات الجامعية، فإن المقاربات المعتمدة تظل في الغالب مرتبطة بحقل الدراسات الإسلامية أكثر من إنتمائها إلى علم مقارنة الأديان بمعناه الأكاديمي المستقل والقائم على الموضوعية والمنهج المقارن. ومع ذلك، تبرزبعض الاستثناءات العلمية الجديرة بالاهتمام، وفي مقدمتها جامعة الأميرعبد القادر للعلوم الإسلامية بقسطنطينة، التي شهدت جهودا أكاديمية متميزة في هذا المجال، ويستحضر هنا على وجه الخصوص إسهام الدكتور محمد بودبان في ترسيخ البحث العلمي المتخصص في مقارنة الأديان. وفي السياق الأفريقي-العربي ذاته، تحمل جامعة أفرو-آسيا في الصومال (Afro-Asian University) قسماً لمقارنة الأديان يمنح درجة البكالوريوس، يشمل مقررات في تاريخ الأديان ودراستها المقارنة.
إن هذه النماذج العربية، على تفاوتها وتنوع سياقاتها، تجسّد حقيقةً أكاديمية راسخة مفادها أن الدراسات الدينية المقارنة قابلة للاندراج في مسالك الإجازة الجامعية وقادرة على استقطاب الطلبة وتلبية حاجة فعلية في المجتمعات العربية والإسلامية. ويتيح استحضار هذه التجارب في سياق نقاش مستقبل التخصص بالجامعة المغربية حجةً إضافية وداعماً عملياً لمن ينادون بتوسيع نطاق الدراسات الدينية المقارنة لتشمل مرحلة الإجازة، إذ لم يعد هذا الطموح مجرد تمنٍّ نظري بل أضحى مسارا مجرَّبا في غير جامعة عربية.
خاتمة:
“تجربة تستحق التأمل”
في نهاية المطاف، يحقّ لنا أن نقول بكل اطمئنان وثقة: إن تجربة ماستر الدراسات الدينية المقارنة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس بفاس نجحت نجاحاً موصوفاً لا تفسيره إلا حسن البناء والصدق في الرسالة والجدية في التكوين والعمق في المنهج. وإذا كانت الشجرة تُعرف بثمارها، فإن 257 بحثا جامعيا أُنجز خلال سبعة عشر عاما متواصلة، وعشرات الكفاءات الأكاديمية التي خرجتها هذه الشعبة لتثري الفضاء العلمي والثقافي المغربي، تُشكّل ثماراً يانعة تشهد بقوة على خصوبة هذه الشجرة وعمق جذورها وامتداد فروعها.
وإذا كانت الريادة مدينة بالأساس لصرامة الدكتور أحمد شحلان ورؤيته الاستشرافية التي بذرت البذرة الأولى في أرض هذا التخصص وسقتها بعلمه وإخلاصه، وإذا كان الاستمرار رهيناً بجهود الدكتور سعيد كفايتي الذي أمسك بالمشعل بأمانة ومضى به قُدُماً، فإن النجاح في نهاية المطاف يعود إلى تلك الثقة الراسخة بأن الدراسات الدينية المقارنة ليست رفاهية فكرية بل ضرورة حضارية، وأن الجامعة المغربية قادرة حين تمتلك الإرادة والرؤية والعزيمة على أن تُنتج نماذج أكاديمية رائدة تُضاهي في جودتها وعمقها أرقى ما تُنتجه الجامعات العالمية في هذا الحقل المعرفي الإنساني الرحيب.



