قانون المحاماة بين استنفاذ المعركة التشريعية واستبعاد المعركة الدستورية
الأستاذ عبد العالي بنلياس
أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري
بانتهاء مجلسي النواب والمستشارين من المصادقة على مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة، تكون واحدة من أكثر المحطات التشريعية إثارة للجدل قد وصلت إلى نهايتها داخل المؤسسة البرلمانية. ولم يعد يفصل المشروع عن دخوله حيز التنفيذ سوى استكمال الإجراءات الدستورية المتمثلة في إحالته على الحكومة، ثم إصدار الأمر بتنفيذه ونشره في الجريدة الرسمية.
لكن، ورغم انتهاء النقاش السياسي داخل البرلمان، عاد سؤال آخر إلى الواجهة: هل يمكن للمحكمة الدستورية أن توقف هذا المشروع أو تعدل مساره من خلال مراقبة دستوريته؟
من الناحية الدستورية، لا يخضع مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة للمراقبة الوجوبية التي تمارسها المحكمة الدستورية، لأنه ليس قانونا تنظيميا. وبالتالي فإن مراقبته، إن تمت، لن تكون إلا عن طريق الإحالة الاختيارية المنصوص عليها في الفقرة الثالثة من الفصل 132 من الدستور، والتي يملك حق ممارستها الملك، أو رئيس الحكومة، أو رئيس مجلس النواب، أو رئيس مجلس المستشارين، أو خمس أعضاء مجلس النواب، أو أربعون عضوا من أعضاء مجلس المستشارين.
غير أن مجرد توفر الحق في الإحالة لا يعني بالضرورة أن الإحالة ستتم ، فالإحالة على المحكمة الدستورية ليست إجراء شكليا، وإنما قرار قانوني وسياسي في الآن نفسه. فهي تفترض، من جهة، وجود إرادة سياسية لدى إحدى الجهات المخول لها دستوريا ممارسة هذا الحق، وتفترض، من جهة أخرى، وجود مقتضيات محددة يثار بشأنها جدل دستوري جدي، حتى تتمكن جهة الإحالة في رسالة الإحالة من تحديد المواد والمقتضيات التي تهدف إلى تصريح المحكمة الدستورية بعدم دستوريتها.
فالجهات المخول لها الإحالة لا يمكنها الاكتفاء بطلب مجرد يرمي إلى مراقبة دستورية المشروع، وإنما يتعين عليها تحديد المواد المطعون فيها وبيان النصوص الدستورية التي تعتبرها مخالفة لها، وهو ما يجعل الإحالة عملا قانونيا مؤسسا على حجج دستورية واضحة، وليس مجرد امتداد للخلاف السياسي.
وبالعودة إلى أشغال لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات بمجلس النواب، ثم إلى المناقشات التي شهدها مجلس المستشارين، يتبين أن النقاش لم يكن منصبا، في جوهره، على مدى دستورية المشروع، وإنما انصب أساسا على قضايا مهنية مرتبطة بشروط الولوج إلى المهنة، وحصانة المحامي، والمساطر التأديبية، وانتخاب مجالس الهيئات، وغيرها من التفاصيل التنظيمية.
بل إن عددا مهما من التعديلات التي أدخلت على المشروع حظيت بموافقة الأغلبية والمعارضة داخل اللجان البرلمانية، كما مرت القراءة الثانية للمشروع بالموافقة بالإجماع على عدد من التعديلات داخل مجلس النواب، قبل أن يحظى بدوره بالموافقة داخل مجلس المستشارين. وهي معطيات تجعل من الصعب تصور أن تتجه المعارضة البرلمانية إلى استعمال آلية الإحالة على المحكمة الدستورية بعد أن شاركت في إقرار جزء مهم من مضامين المشروع أو لم تثر بشأنها دفوعا دستورية أثناء المناقشة.
كما أن الأصوات التي تدعو إلى “التحكيم الملكي” تبدو متجاوزة من الناحية الدستورية، لأن التحكيم الملكي، في فلسفة الدستور، يهم تدبير العلاقات بين المؤسسات الدستورية عند قيام نزاع بينها، وليس بين هيئة مهنية والسلطة التشريعية التي تمارس اختصاصها الأصيل في سن القوانين باسم الأمة.
لذلك، فإن الرهان على المحكمة الدستورية يبدو، في الظروف الحالية، رهانا محدود الحظوظ، ليس فقط لغياب المراقبة الوجوبية، وإنما أيضا لغياب المؤشرات السياسية والدستورية التي ترجح لجوء الجهات المخول لها إلى تفعيل الرقابة الاختيارية.
ومع ذلك، فإن المسار الدستوري لا ينتهي بدخول القانون حيز التنفيذ. فالدستور المغربي، منذ مراجعة سنة 2011، فتح بابا آخر لمراقبة دستورية القوانين، يتمثل في الدفع بعدم الدستورية. فإذا تم تطبيق مقتضى من مقتضيات هذا القانون في نزاع معروض على القضاء، ورأى أحد الأطراف أنه يمس بالحقوق والحريات التي يضمنها الدستور، أمكنه إثارة الدفع بعدم الدستورية وفق الشروط والإجراءات القانونية المنظمة لهذه الآلية.
وبذلك، قد لا تكون المحكمة الدستورية حاضرة اليوم في مسار مشروع قانون المحاماة، لكنها قد تكون حاضرة غدا عند أول نزاع قضائي يثير شبهة مخالفة إحدى مقتضياته للدستور، وعندها فقط، ستنتقل المعركة من البرلمان إلى القضاء الدستوري، ومن الجدل السياسي إلى التأويل الدستوري.



