حسن موردي يكتب: الهجرة الجماعية نحو سبتة… ناقوس إنذار يدعو إلى مراجعة السياسات وتجديد النخب
لم تكن مشاهد توافد المئات من الشباب المغاربة نحو مدينة سبتة المحتلة مجرد حدث عابر أو واقعة موسمية يمكن التعامل معها بمنطق الأرقام أو المقاربة الأمنية وحدها، بل شكلت رسالة مجتمعية عميقة تختزل حجم القلق الذي يعيشه جزء من شبابنا، وتطرح أسئلة جوهرية حول السياسات العمومية، ومدى قدرتها على توفير الأمل، وصناعة الفرص، وتعزيز الثقة في المستقبل.
إن الهجرة غير النظامية ليست خيارًا طبيعيًا لشباب يعشق وطنه، وإنما هي في كثير من الأحيان نتيجة شعور متراكم بانسداد الأفق، وغياب فرص الشغل، واتساع الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتراجع الإحساس بأن الاجتهاد والكفاءة وحدهما كفيلان بفتح أبواب المستقبل.
لقد كان من الواجب، منذ بداية الولاية الحكومية الحالية، التعامل بجدية أكبر مع المؤشرات التي نبهت إلى تنامي البطالة، وتعثر عدد من الأوراش الاجتماعية، وصعوبة ولوج الشباب إلى سوق الشغل، إلى جانب استمرار الضغوط المرتبطة بارتفاع كلفة المعيشة. فهذه التحديات لا ينبغي أن تُقرأ كل واحدة بمعزل عن الأخرى، لأنها تتقاطع جميعًا في تشكيل بيئة تدفع بعض الشباب إلى البحث عن مستقبل خارج الوطن، مهما كانت المخاطر.
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية الأوراش الكبرى التي تشهدها المملكة تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، والتي تمثل رافعة حقيقية لبناء مغرب حديث ومتطور، وإنما يقتضي التسريع بتنزيل آثارها الاجتماعية والاقتصادية على حياة المواطنين، وضمان استفادة مختلف الجهات والفئات من ثمار التنمية بشكل أكثر عدالة وإنصافًا.
إن ما وقع بسبتة المحتلة يجب أن يكون فرصة لإعادة تقييم السياسات الموجهة للشباب، وإطلاق دينامية جديدة تجعل من التشغيل، والتكوين، والابتكار، ودعم الاستثمار المنتج أولويات وطنية لا تحتمل التأجيل، لأن الاستثمار في الإنسان يظل الضمانة الحقيقية للاستقرار والتنمية.
ومن وجهة نظري، فإن أحد المفاتيح الأساسية لمواجهة هذه التحديات يتمثل في تجديد النخب السياسية والإدارية، وفتح المجال أمام الكفاءات الوطنية، وخاصة الشباب الذين راكموا تجارب علمية ومهنية داخل المغرب وخارجه. فالمغرب يزخر بطاقات قادرة على تقديم أفكار جديدة، وصياغة حلول مبتكرة، والإسهام في تطوير الأداء العمومي إذا ما أتيحت لها الفرصة في إطار من تكافؤ الفرص والاستحقاق.
وفي هذا السياق، أعتبر أن تجديد النخب ليس شعارًا انتخابيًا، بل ضرورة وطنية تفرضها التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم، وتستلزم حضور كفاءات تجمع بين التأهيل العلمي، والخبرة العملية، والنزاهة، والقدرة على مواكبة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية.
كما أن الاعتراف بالكفاءات المغربية، داخل الوطن وخارجه، لم يعد خيارًا ثانويًا، بل أصبح رهانًا استراتيجيًا لتعزيز تنافسية بلادنا، والاستفادة من الخبرات المتراكمة في مختلف المجالات، وربط المسؤولية بالكفاءة والنتائج، بما يعزز ثقة المواطن في المؤسسات ويمنح الشباب أملًا حقيقيًا في المستقبل.
إن حماية الوطن لا تكون فقط بتأمين حدوده، بل أيضًا بحماية أحلام شبابه، وصون كرامتهم، وفتح آفاق حقيقية أمامهم داخل وطنهم. فحين يشعر المواطن بأن الكفاءة تجد طريقها إلى المسؤولية، وأن العدالة وتكافؤ الفرص قيمتان تمارسان على أرض الواقع، يصبح الانتماء أقوى، ويغدو الأمل أكبر من اليأس، ويختار الشباب بناء مستقبلهم في وطنهم بدل البحث عنه خلف الحدود.
إن المغرب يمتلك من الإمكانات البشرية والمؤسساتية ما يؤهله لتحويل التحديات إلى فرص، إذا تضافرت الإرادات، وتعززت الحكامة، واستُثمر في الإنسان باعتباره الثروة الحقيقية للأمة، والقوة القادرة على صناعة مستقبل أكثر عدالة وازدهارًا.



