التواصل السياسي أم الحملة الانتخابية السابقة لأوانها؟ قراءة في معايير التمييز بين المباح والمجرم في القانون الانتخابي المغربي

يثير اقتراب كل استحقاق انتخابي إشكالًا قانونيًا يتجدد باستمرار، يتمثل في صعوبة التمييز بين حق الفاعل السياسي في ممارسة التواصل مع المواطنين، وبين الحملة الانتخابية التي يمنع القانون مباشرتها قبل افتتاح الآجال الرسمية.

فالأصل أن العمل السياسي لا يتوقف بين الاستحقاقات، بل إن الأحزاب السياسية والمنتخبين والفاعلين العموميين مدعوون إلى التواصل الدائم مع المواطنين، والاستماع إلى انشغالاتهم، وتأطيرهم سياسيًا، وتقديم مواقفهم من القضايا العامة. ويستند هذا الحق إلى الضمانات الدستورية المتعلقة بحرية التعبير والمشاركة السياسية، كما ينسجم مع الوظيفة التأطيرية التي يضطلع بها الحزب السياسي داخل المجتمع.

غير أن هذا الحق ليس مطلقًا، إذ يتوقف عند الحدود التي يرسمها القانون الانتخابي. فبمجرد أن يتحول التواصل إلى وسيلة لاستمالة الناخبين، أو طلب أصواتهم، أو تقديم الوعود الانتخابية، أو التعريف بالبرنامج الانتخابي، أو استعمال الشعارات والرموز المرتبطة بالمنافسة الانتخابية، فإنه يفقد وصفه كتواصل سياسي مشروع، ويصبح أقرب إلى الحملة الانتخابية السابقة لأوانها.

ولا يعتمد القضاء، في العادة، على التسمية التي يطلقها الفاعل على نشاطه، وإنما ينظر إلى حقيقة الوقائع. فقد يسمى النشاط “لقاءً تواصليًا” أو “نشاطًا جمعويًا” أو “مبادرة اجتماعية”، لكن إذا تبين من ظروفه ومضمونه وغايته أنه يستهدف التأثير في إرادة الناخبين تمهيدًا للانتخابات، فإن التكييف القانوني يخضع للواقع لا للوصف الذي يمنحه له منظموه.

ومن أبرز المؤشرات التي يمكن أن يستأنس بها في التمييز بين التواصل المشروع والحملة الانتخابية السابقة لأوانها:
• توقيت النشاط ومدى ارتباطه بقرب موعد الانتخابات.
• الإعلان عن التزكية أو تقديم الشخص باعتباره مرشحًا.
• استعمال شعارات أو رموز أو ألوان ذات دلالة انتخابية.
• الدعوة المباشرة أو غير المباشرة إلى التصويت.
• عرض برنامج انتخابي أو تقديم وعود مرتبطة بالاقتراع.
• توظيف وسائل التواصل الاجتماعي للدعاية الانتخابية المنظمة.
• توزيع هبات أو مساعدات أو خدمات يكون القصد منها التأثير في اختيار الناخبين.
• وجود حملة إعلامية متكاملة تستهدف صناعة صورة انتخابية للمرشح.

ولا يعني ذلك أن كل ظهور إعلامي أو كل لقاء مع المواطنين يشكل حملة انتخابية. فالعبرة ليست بالفعل في ذاته، وإنما بمضمونه وغايته وسياقه، وهي عناصر تخضع لتقدير القضاء بناءً على الوقائع والأدلة.

ومن جهة أخرى، فإن التطور الرقمي فرض تحديات جديدة على الرقابة الانتخابية. فقد أصبحت الحملات الانتخابية تدار عبر المنصات الرقمية بطرق يصعب رصدها، من خلال الإعلانات الممولة، والمؤثرين، والصفحات غير الرسمية، والحسابات المجهولة، وهو ما يفرض تطوير وسائل الإثبات وآليات المراقبة بما يضمن التطبيق الفعال للقانون.

إن احترام آجال الحملة الانتخابية ليس مسألة شكلية، بل هو أحد الضمانات الأساسية لتحقيق المساواة بين المتنافسين. فتكافؤ الفرص لا يتحقق بمجرد النص عليه في القانون، وإنما يتجسد في التطبيق الصارم والحيادي للقواعد المنظمة للعملية الانتخابية، بعيدًا عن أي انتقائية أو تمييز.

ومن ثم، فإن حماية نزاهة الانتخابات تقتضي ألا يُترك تقدير مشروعية الأنشطة السابقة للحملة للاعتبارات السياسية أو الظرفية، وإنما يجب أن يخضع لمعيار قانوني موضوعي، قوامه طبيعة النشاط وهدفه وأثره على إرادة الناخبين.

إن الدولة التي تسعى إلى ترسيخ الثقة في مؤسساتها لا تكتفي بتنظيم يوم الاقتراع، بل تحرص على أن تبدأ المنافسة بين جميع المترشحين في اللحظة نفسها، وأن تنتهي في الوقت نفسه، لأن العدالة الانتخابية لا تقاس فقط بسلامة التصويت، وإنما أيضًا بعدالة الطريق المؤدية اليه.

عبد الرحيم مستاوي

مقالات ذات صلة