البيطار يفتح النار على حكومات العدالة والتنمية والأحرار

في مداخلة سياسية اتسمت بلهجة نقدية حادة، وضع عادل البيطار، نائب رئيس مجلس النواب وعضو فريق الأصالة والمعاصرة، الحصيلة الاجتماعية لثلاث حكومات متعاقبة، قادها كل من عبد الإله ابن كيران وسعد الدين العثماني وعزيز أخنوش، تحت مجهر المساءلة، معتبرا أن تعدد الإصلاحات الاقتصادية والبرامج الاستثمارية لم ينجح في إحداث التحول الملموس الذي انتظره المغاربة في حياتهم اليومية.

وخلال مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2027 أمام لجنة المالية والتنمية الاقتصادية، شدد البيطار على أن نجاح الحكومات لا يقاس بحجم المشاريع أو المؤشرات الماكرو اقتصادية وحدها، بل بمدى انعكاسها على القدرة الشرائية، وفرص الشغل، وجودة التعليم والصحة، وتحسين الخدمات الأساسية.

فالمواطن، بحسب مضمون مداخلته، لا يلمس أثر الإصلاح في التقارير والأرقام، وإنما يقيسه بما يتبقى في جيبه وبما يتاح له من فرص العيش الكريم.

ولم يستثن البيطار في معرض مداخلته باسم فريق الاصالة والمعاصرة، الحكومات التي واجهت ظروفا استثنائية، من جائحة كورونا والجفاف والتقلبات الاقتصادية الدولية، لكنه اعتبر أن صعوبة السياق لا تعفي من المسؤولية السياسية، ولا تبرر استمرار الفجوة بين الوعود والنتائج. كما توقف عند اختيارات حكومتي العدالة والتنمية، وما رافقها من آثار على القدرة الشرائية، فضلا عن اختلالات التنسيق والتدبير داخل الأغلبية، قبل أن يوجه انتقادات إلى محدودية الأثر الاجتماعي للاستثمارات والبرامج الحكومية خلال الولاية الحالية، في ظل استمرار الغلاء وارتفاع البطالة.

وفي مواجهة مباشرة مع فريق العدالة والتنمية، رفض البيطار ما اعتبره محاولة لاحتكار أسبقية اقتراح رفع الضريبة على شركات توزيع المحروقات إلى 40 في المائة، مؤكدا أن فريق الأصالة والمعاصرة سبق أن تقدم بهذا المقترح سنة 2019 خلال الولاية الحكومية السابقة. وردا على تصريحات عبد الله بوانو بشأن تقديم العدالة والتنمية للمقترح في مناسبات متعددة، دعا إلى تحري الدقة في عرض الوقائع، محذرا من تقديم روايات غير دقيقة للرأي العام وتحويل النقاش المالي إلى صراع حول من يملك أسبقية الاقتراح.

واعتبر البيطار أن مشروع قانون المالية لسنة 2027 ليس مجرد وثيقة تقنية لتدبير المداخيل والنفقات، بل اختبار سياسي لقدرة الحكومة على تحويل التزاماتها إلى نتائج قابلة للقياس والمحاسبة، خصوصا في أربعة ملفات أساسية: الاستثمار المنتج وخلق فرص الشغل، حماية القدرة الشرائية وتحسين دخل الأسر، تقليص الفوارق المجالية وضمان الولوج العادل إلى الخدمات، ثم ترسيخ حكامة مالية تقوم على الشفافية والنجاعة وربط الإنفاق العمومي بالنتائج.

وفي هذا السياق، دعا إلى تجاوز المعالجة الظرفية للغلاء، واعتماد مقاربة شاملة تشمل تحسين الدخل، وضبط سلاسل الإنتاج والتوزيع والتسويق، وتعزيز المنافسة ومراقبة الأسواق. كما شدد على ضرورة توسيع الوعاء الضريبي ومحاربة التهرب وإدماج القطاع غير المهيكل، إلى جانب توجيه الاستثمار نحو القطاعات القادرة على توفير فرص شغل مستدامة، ولا سيما لفائدة الشباب والنساء.

ودافع البيطار عن حصيلة مشاركة حزب الأصالة والمعاصرة في الحكومة، معتبرا أن الالتزامات الانتخابية للحزب حاضرة في المشروع، ومؤاخذا بعض منتقديه على إصدار أحكام دون الاطلاع الكافي على مضامينه. كما انتقد تداول حسابات وتقديرات ضريبية وصفها بالمضللة على مواقع التواصل الاجتماعي، داعيا إلى الاستناد إلى المعطيات الدقيقة والاستعانة بالخبرة المتخصصة بدل تغذية النقاش العمومي بأرقام غير موثوقة.

ولم تخل المداخلة من مواجهة سياسية بشأن الانتقادات الموجهة إلى وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، فوزي لقجع، إذ دافع البيطار عن حق الحكومة في الرد على المعارضة، متسائلا: “هل الرد على المعارضة إساءة؟”. واستحضر في هذا الإطار نماذج من الخطاب السياسي السابق الذي تضمن أوصافا وعبارات جارحة، للتنبيه إلى خطورة اعتماد معايير مزدوجة في تقييم السجال السياسي. لكنه ميز، في المقابل، بين حق الاختلاف والرد السياسي من جهة، والإساءة إلى المواطنين أو محاولة إسكات المعارضين من جهة أخرى.

كما رفض اختزال الكفاءة السياسية في المسار الحزبي التقليدي، مدافعا عن تجربة لقجع في تدبير الشأن الكروي، ومعتبرا أن النجاح في المجال الرياضي لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للإقصاء من العمل السياسي. وربط البيطار الرهان على تنظيم كأس العالم بما يتجاوز الحسابات الحزبية والولايات الحكومية، باعتباره مشروعا وطنيا ممتدا يستدعي تعبئة جماعية، لا مناسبة لتصفية الحسابات أو التشكيك في النوايا.

وتكشف مداخلة القيادي عادل البيطار عن محاولة لنقل النقاش من تبادل الاتهامات بشأن أسبقية المبادرات والمواقف إلى مساءلة الحصيلة الاجتماعية للحكومات المتعاقبة. غير أن الرسالة الأبرز التي تفرض نفسها على النقاش هي أن المغاربة لم يعودوا في حاجة إلى مزيد من الأرقام والوعود بقدر حاجتهم إلى نتائج ملموسة: أسعار أكثر استقرارا، ودخل يحفظ القدرة الشرائية، وفرص شغل حقيقية، وخدمات عمومية تليق بانتظاراتهم.

فبعد ثلاث حكومات متعاقبة، لم يعد السؤال هو كم من الإصلاحات أُعلن عنها، بل لماذا لم تتحول ثمارها بالقدر الكافي إلى تحسن في معيشة المواطنين؟

مقالات ذات صلة