خنيفرة.. هل تشبيب النخب السياسية أم إعادة إنتاج الأسماء؟

البداوي معاذ

في الوقت الذي ارتفع فيه بإقليم خنيفرة كما في باقي مناطق المغرب، منسوب الحديث عن ضرورة تشبيب النخب السياسية وتجديد الوجوه وإتاحة المجال أمام جيل جديد من الكفاءات، بدأت تبرز إلى الواجهة ظاهرة تستحق الكثير من التأمل، وهي تقدم أبناء عدد من السياسيين المعروفين للترشح والاستعداد لخوض غمار الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

ومن حيث المبدأ لا يمكن اعتبار انتماء شاب إلى عائلة سياسية عيباً أو تهمة، كما لا يجوز الحكم على أي مرشح فقط بسبب اسم عائلته. فالعمل السياسي حق مكفول للجميع، والكفاءة هي التي ينبغي أن تكون معيار التقييم الحقيقي. لكن الإشكال يبدأ عندما يتحول اسم العائلة من مجرد انتماء اجتماعي إلى رأسمال انتخابي جاهز، ومن ثم يصبح السؤال مشروعاً: هل نحن أمام تشبيب حقيقي للنخب السياسية، أم أمام إعادة إنتاج للنخب نفسها بوجوه أصغر سناً؟

فالتشبيب لا يعني أن يصبح المرشح شاباً في عمره فقط، بينما تبقى أدوات وصوله إلى المشهد السياسي هي نفسها التي أوصلت الجيل السابق. التشبيب الحقيقي يفترض أن يحمل معه أفكاراً جديدة، ورؤية مختلفة، وآليات اشتغال حديثة، واستقلالية في القرار، وقدرة على تقديم مشروع سياسي واجتماعي يتجاوز إرث الاسم العائلي.

أما إذا كان الطريق إلى الترشح يمر أساساً عبر شبكة العلاقات التي راكمها الأب أو الأم، وعبر النفوذ السياسي والاجتماعي المتوارث، وعبر معرفة الناخبين بالاسم العائلي قبل معرفة صاحب الاسم نفسه، فإننا نكون أمام ظاهرة مختلفة تماماً، يمكن وصفها بإعادة تدوير الرصيد السياسي أكثر من كونها تجديداً للنخب.

وهنا يبرز مفهوم “براندينغ” الاسم السياسي؛ أي تحويل الاسم العائلي إلى علامة انتخابية قائمة بذاتها. فقبل أن يتحدث المرشح عن برنامجه، وعن حصيلته، وعن مؤهلاته، وعن تصوره لتدبير الشأن العام، يكون الناخب قد تعرف عليه مسبقاً من خلال اسم الأب أو الأم، ومن خلال شبكة العلاقات والامتدادات التي تحيط بالعائلة.

وهذا لا يعني بالضرورة أن المرشح غير كفء، لكنه يطرح سؤالاً ديمقراطياً مشروعاً حول تكافؤ الفرص بينه وبين شاب آخر لا يملك اسماً سياسياً معروفاً، ولا شبكة علاقات، ولا إرثاً انتخابياً عائلياً.

والأكثر حساسية أن النقاش حول تشبيب النخب يفقد جزءاً من معناه إذا أصبح معيار التجديد هو السن فقط. فالمطلوب ليس استبدال سياسي بأحد أبنائه، ولا نقل المقعد من جيل إلى جيل تحت عنوان التشبيب، وإنما فتح المجال أمام كفاءات جديدة تستطيع أن تصل إلى مواقع القرار اعتماداً على مشروعها وقدرتها على الإقناع، وليس فقط على قوة الاسم الذي تحمله.

وفي خنيفرة، يأتي هذا النقاش في سياق انتخابي بدأت خلاله ملامح التنافس تتضح، مع شروع الأحزاب في حسم عدد من الترشيحات، وهو ما يجعل مسألة تجديد النخب وفتح المجال أمام وجوه جديدة إحدى القضايا التي ستفرض نفسها بقوة على النقاش المحلي. وقد أظهرت النقاشات المرتبطة بالتزكيات داخل بعض الأحزاب بالإقليم وجود صراعات وتوازنات داخلية، بل ورفعت أطراف سياسية نفسها شعارات مرتبطة بالمصلحة العامة ومنع احتكار المسؤوليات وتوسيع قاعدة المشاركة.

ومن هنا، فإن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم ليس: من هو ابن من؟ وإنما: ماذا سيقدم هذا المرشح بعيداً عن اسم عائلته؟

ما مشروعه؟ ما تجربته؟ ماذا يعرف عن مشاكل الإقليم؟ ماذا قدم قبل أن يطلب ثقة الناخبين؟ وهل يستطيع أن يثبت حضوره في الساحة السياسية دون الاستناد المستمر إلى إرث والده أو والدته؟ وهل كان سيصل إلى الموقع نفسه لو كان يحمل اسماً عائلياً عادياً لا يملك الرصيد السياسي ذاته؟

هذه الأسئلة ليست استهدافاً لأبناء السياسيين، بل هي في جوهرها دفاع عن حق جميع الشباب في المنافسة على قدم المساواة.

فالسياسة لا ينبغي أن تتحول إلى ملكية عائلية تنتقل من جيل إلى جيل، ولا إلى سوق مغلق لا يدخله إلا من يحمل مفتاح الاسم والعلاقات. وإذا كان الهدف فعلاً هو تشبيب النخب، فإن المطلوب هو تشبيب الأفكار قبل تشبيب الوجوه، وتجديد البرامج قبل تجديد الأسماء، وفتح المجال أمام الكفاءات التي لم تجد حتى الآن الطريق إلى مواقع القرار.

أما أخطر ما يمكن أن يحدث فهو أن تتحول كلمة “التشبيب” إلى غطاء تسويقي لإعادة إنتاج المشهد السياسي ذاته، بحيث تتغير الوجوه بينما تبقى شبكات النفوذ والعلاقات والآليات نفسها.

وفي هذه الحالة، يصبح من المشروع أن يتساءل الرأي العام المحلي: هل نحن أمام جيل سياسي جديد فعلاً، أم أمام نسخة شابة من الجيل القديم؟

والفيصل في نهاية المطاف لن يكون عمر المرشح ولا اسم عائلته، وإنما صناديق الاقتراع، وقدرة كل مرشح على إقناع المواطن بأنه يستحق صوته بفضل شخصه ومشروعه وكفاءته، لا بفضل الاسم الذي ورثه.

لأن الديمقراطية الحقيقية لا تقاس بعدد الشباب الذين يظهرون في الصور الانتخابية، وإنما بمدى قدرتهم على الوصول إلى مواقع المسؤولية من خلال المنافسة العادلة، وبعيداً عن أي استغلال محتمل للنفوذ أو العلاقات أو الرصيد السياسي العائلي.

وهنا تحديداً يبدأ الاختبار الحقيقي لتشبيب النخب في خنيفرة: هل سنشهد دخول أسماء جديدة صنعت نفسها بنفسها، أم سنشهد فقط انتقال “البراند” السياسي من الآباء إلى الأبناء؟

مقالات ذات صلة