الترحال الحزبي يقلب طموح بودراع بالحي الحسني.. وشنكيط يبقى في الملعب
لم يكن عبد القادر بودراع يتوقع، وهو يعلن مغادرته حزب الأصالة والمعاصرة، أن يتحول طموحه إلى خوض الاستحقاقات التشريعية المقبلة بلون حزبي جديد إلى معركة تنتهي، قبل أن تبدأ، بسقوط جزء كبير من الرصيد الانتخابي الذي راكمه باسم الحزب نفسه.
ففي ظرف أسابيع قليلة، انتقل الرجل من رئاسة مجلس عمالة الدار البيضاء والاستعداد لخوض الانتخابات التشريعية المقبلة، إلى مواجهة حكم قضائي جرده من عضويته بالمجالس المنتخبة التي وصل إليها باسم “البام”، وأنهى عمليا رئاسته لمجلس العمالة.
وبين لحظة الإعلان عن الاستقالة من الحزب ولحظة صدور الحكم، تبدو قصة بودراع أقرب إلى درس سياسي في حدود الطموح الانتخابي حين يصطدم بقواعد اللعبة الحزبية والقانونية.
من الرعاية الحزبية إلى محاولة بناء نفوذ مستقل
لفهم ما جرى، لا يكفي النظر إلى قرار المحكمة باعتباره واقعة قانونية معزولة؛ فمسار بودراع داخل “البام” ارتبط، منذ سنوات، بشبكة من العلاقات والقيادات التي ساهمت في صعوده داخل المشهد السياسي بجهة الدار البيضاء-سطات.
وفي مقدمة هذه الأسماء يبرز صلاح الدين شنكيط، الذي شغل مهمة الأمين الجهوي لحزب الأصالة والمعاصرة بجهة الدار البيضاء-سطات، وكان منذ سنوات من الوجوه التي راهن عليها الحزب بالمنطقة.
ويعود حضور الشنكيطي الانتخابي إلى محطة 2015، حين كان من بين الكفاءات التي وقع عليها الاختيار للترشح في الانتخابات الجهوية، قبل أن يتطور حضوره داخل التنظيم ويصبح أحد الأسماء المؤثرة في المشهد الحزبي والانتخابي بالجهة.
ومن هذه الزاوية، فإن صعود بودراع لم يكن، وفق قراءة متابعين للمشهد الحزبي بالدار البيضاء، منفصلا عن البيئة التنظيمية والسياسية التي احتضنت تجربته، وعن قيادات كان لها دور في فتح الطريق أمام عدد من الوجوه الجديدة داخل “البام”.
لكن السياسة، كما الانتخابات، لا تعرف علاقات ثابتة إلى الأبد.
فما يبدأ في الغالب بعلاقة دعم وتأطير ورعاية سياسية قد يتحول، عندما تتسع الطموحات، إلى صراع صامت حول من يقود ومن يقرر ومن يمتلك القدرة على صناعة المرشحين والخرائط الانتخابية.
هنا تحديدا تبرز قصة بودراع وشنكيط.
فبحسب قراءة سياسية متداولة داخل أوساط مهتمة بالشأن الحزبي في الدار البيضاء، لم يعد بودراع، مع مرور الوقت، يكتفي بالموقع الذي صنعه له “البام”، بل بدأ يطمح إلى بناء موقع سياسي مستقل، يسمح له بأن يتحول من منتخب داخل منظومة حزبية إلى لاعب قادر على إعادة رسم موازين القوة داخلها.
وهذا الطموح، في حد ذاته، ليس عيبا في السياسة؛ فكل منتخب يسعى إلى توسيع حضوره وتحويل رصيده الانتخابي إلى نفوذ سياسي أكبر.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الطموح إلى محاولة لتجاوز مراكز القوة التي ساهمت أصلا في صناعة المسار.
وفي حالة بودراع، فإن العلاقة مع شنكيط، وفق هذه القراءة، انتقلت تدريجيا من منطق الدعم والتقاطع التنظيمي إلى منطق المنافسة على النفوذ والتموقع، خصوصا داخل واحدة من أكثر الدوائر حساسية انتخابيا بالدار البيضاء، وهي دائرة الحي الحسني.
وهنا يصبح السؤال أكثر وضوحا: هل أخطأ بودراع في تقدير حجم قوته السياسية عندما اعتقد أن بإمكانه الانتقال من موقع الرجل الذي استفاد من مظلة “البام” إلى موقع ينافس داخلها على صناعة القرار والمرشحين؟
مغادرة “البام”.. والمظلة الجديدة
عندما أعلن بودراع استقالته من حزب الأصالة والمعاصرة في 29 يوليوز الماضي، بدا في الظاهر أنه يفتح صفحة سياسية جديدة.
كان الاتجاه واضحا: مغادرة “البام”، ثم الالتحاق بحزب التقدم والاشتراكية، وخوض الانتخابات التشريعية المقبلة بدائرة الحي الحسني.
وبذلك، كان بودراع يراهن على تحويل حضوره داخل مجلس عمالة الدار البيضاء وعلى تجربته الانتخابية إلى رأسمال سياسي جديد، مستقل عن الحزب الذي أوصله إلى تلك المواقع.
لكن الحساب السياسي اصطدم بالحساب القانوني.
فالمحكمة الإدارية بالدار البيضاء قضت بتجريده من عضويته بمجلس جماعة الدار البيضاء، وما ترتب عن ذلك من فقدان عضويته بمجلس مقاطعة الحي الحسني ومجلس عمالة الدار البيضاء، وبالتالي انتهاء رئاسته لمجلس العمالة.
وهكذا، فإن الرجل الذي كان يستعد لدخول السباق التشريعي بلون حزبي جديد، وجد نفسه أمام فقدان أهم الصفات الانتدابية التي كان يفترض أن تشكل جزءا من رصيده في معركة انتخابية لم تبدأ بعد.
المفارقة السياسية هنا لافتة.
بودراع لم يخسر انتخابات تشريعية، لأنه لم يدخلها بعد. ولم يسقط في اقتراع مباشر أمام منافس انتخابي. لكنه خسر، قبل فتح صناديق الاقتراع، جزءا أساسيا من الموقع الذي كان يريد أن ينطلق منه نحو البرلمان.
وهذا ما يجعل قصته أكثر دلالة من مجرد حكم قضائي ضد منتخب غادر حزبه.
فالطموح الذي كان يفترض أن ينقله من رئاسة مجلس العمالة إلى البرلمان، انتهى به إلى مغادرة المجالس المنتخبة نفسها.
وفي السياسة، قد تكون هذه هي المفارقة الأكثر قسوة: أن تحاول القفز فوق “معلمك” السياسي لتبدأ مسارا مستقلا، فتكتشف أن الأرض التي كنت تقف عليها لم تعد موجودة.
شنكيط.. الطرف الذي بقي في الملعب
في المقابل، يبدو صلاح الدين شنكيط اليوم في موقع مختلف داخل هذه المعادلة.
فالبرلماني عن دائرة الحي الحسني والقيادي الذي سبق أن تحمل مسؤولية الأمانة الجهوية لـ”البام” بجهة الدار البيضاء-سطات، وكان من الكفاءات التي اختارها الحزب لخوض الانتخابات الجهوية سنة 2015، يواصل بناء حضوره السياسي والانتخابي، فيما وجد أحد أبرز الوجوه التي ارتبطت بمحيطه الحزبي نفسه أمام انتكاسة انتخابية وقانونية متزامنة.
ومن الصعب، بطبيعة الحال، اختزال ما وقع في علاقة شخصية بين رجلين؛ فالقضاء حسم في مسألة قانونية مرتبطة بالتخلي عن الانتماء الحزبي أثناء مدة الانتداب.
لكن السياسة تبدأ تحديدا من حيث ينتهي منطوق الحكم.
والسؤال السياسي الذي سيبقى مطروحا هو: هل كان بإمكان بودراع أن يحافظ على موقعه داخل “البام”، أو أن يدير خلافاته مع قياداته بطريقة مختلفة، بدل الانتقال إلى حزب آخر في لحظة انتخابية حساسة؟
درس في الترحال السياسي
الأهم في هذه القصة أن المحكمة لم تعاقب بودراع على طموحه السياسي، ولم تمنعه من تغيير الحزب أو خوض الانتخابات مستقبلا، وإنما رتبت أثرا قانونيا على تخليه عن الحزب الذي ترشح باسمه خلال مدة الانتداب.
وبذلك، فإن تجربة بودراع تضع ظاهرة الترحال السياسي أمام مرآة جديدة.
فقد يكون المنتخب مقتنعا بأنه أقوى من الحزب الذي ترشح باسمه، وقد يعتقد أن رصيده الشخصي يسمح له بإعادة إنتاج نفسه تحت مظلة حزبية أخرى، لكن القانون قد تكون له كلمة مختلفة تماما.
في نهاية المطاف، قد يكون أكثر ما يختصر قصة بودراع هو أنها لم تنته به إلى خسارة معركة انتخابية، بل إلى خسارة موقع الانطلاق نحو تلك المعركة.
فالرجل الذي كان يتهيأ للانتقال من رئاسة مجلس عمالة الدار البيضاء إلى المنافسة على مقعد برلماني، وجد نفسه، في ظرف زمني قصير، خارج المجالس التي شكلت أساس حضوره السياسي.
ومن هذه الزاوية، فإن محاولة بناء استقلال سياسي عن “البام”، والمنافسة على النفوذ داخل دائرة الحي الحسني، ثم الانتقال إلى حزب جديد، تحولت إلى مسار عكسي تماما.
لم يعد السؤال: بأي لون حزبي سيدخل بودراع الانتخابات المقبلة؟ ولكن: بأي رصيد انتخابي سيدخلها بعد أن فقد المواقع التي كان يعول عليها لصناعة هذا الرصيد؟
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: قد يكون بودراع أراد أن يتجاوز “عرّابه السياسي”، وأن يبدأ مرحلة يكون فيها هو صانع موقعه لا المستفيد من موقع صنعه الآخرون؛ لكن الطموح، عندما لا يحسب جيدا توازنات القوة وقواعد القانون، قد يتحول من سلم للصعود إلى طريق مختصر نحو السقوط.
وفي السياسة، ليست كل مغادرة بداية جديدة.
أحيانا، تكون المغادرة نفسها هي نهاية المسار الذي لم يبدأ بعد.
بقلم: عادل التازي



