حين يصبح البحر استفتاء على السياسات العمومية

مدخل: كل شيء تكرر… إلا الحل
لم تمضِ أسابيع قليلة على أحداث الفنيدق وباب سبتة حتى عاد المشهد نفسه من جديد: دعوات جديدة للهجرة الجماعية، وبلاغ جديد لوزارة الداخلية، وتطويق أمني جديد، وتوقيفات جديدة.

وقد مرّ الخامس عشر من غشت دون أن يتكرر مشهد نهاية يوليوز بالحجم نفسه. لكنه لم يمرّ هادئاً: فقد تجمّع مئات المرشحين للهجرة في مناطق جبلية قريبة من الفنيدق، وتدخلت القوات العمومية لتفريقهم ومنعهم من التقدم نحو السياج، واعتُرض عشرات منهم، غالبيتهم من مواطني دول إفريقيا جنوب الصحراء وبينهم مغاربة، فيما أُوقف عشرات آخرون للاشتباه في تورطهم في التحريض الرقمي.

نتيجةٌ تُحسب للأجهزة المعنية، لكنها تفتح السؤال ولا تغلقه. فقد سبقتها ترتيبات تستحق التأمل: حاجز معدني يناهز ارتفاعه أربعة أمتار على الطريق الرابطة بين الفنيدق ومعبر باب سبتة، وتطويق مبكر منع غير المسافرين — بمن فيهم الصحافيون — من الاقتراب، وتشديد للمراقبة بلغ محطات النقل في مدن داخلية بعيدة عن الشمال.

وحين تصل مواجهة ظاهرةٍ إلى بناء جدار، فذلك اعترافٌ ضمني بأنها ليست عابرة. الإسمنت يقول ما لا تقوله البلاغات: أننا نتوقع عودتها.

وهذا هو موضوع هذا المقال. حين تتكرر الأسباب، وتتكرر النتائج، وتتكرر طريقة المعالجة، فنحن لم نعد أمام حادثة عابرة، بل أمام أزمة بنيوية تكشف حدود السياسات العمومية أكثر مما تكشف قوة الأجهزة الأمنية.

أولاً: البحر حين يتحول إلى استفتاء
الاستفتاءات لا تُجرى دائماً بصناديق الاقتراع. أحياناً تُجرى في البحر.

فليس أخطر ما وقع نهاية يوليوز هو عدد الذين حاولوا العبور، ولا عدد الموقوفين، ولا حتى — على فداحته — عدد الذين لم يعودوا. أخطر ما وقع هو أن آلافاً من المغاربة اتخذوا القرار نفسه، في اللحظة نفسها، دون تنظيم ولا قيادة ولا إطار.

وحين يختار آلاف المواطنين في الوقت نفسه المجازفة بحياتهم، فإن البحر يتحول إلى استفتاء صامت على السياسات العمومية — استفتاء لم تدعُ إليه أي جهة، ولن تُعلَن نتائجه رسمياً، لكن نتيجته لا تحتاج إلى إعلان.

ثانياً: ما الذي تغيّر يوم 15 غشت؟
هنا يُطرح اعتراض وجيه: إذا كانت الرغبة في المغادرة بهذا الاتساع، فلماذا لم يتكرر مشهد يوليوز؟

الجواب في تقديري أن ما تراجع هو الاعتقاد، لا الرغبة.

فموجة يوليوز لم تكن حشداً من أشخاص قرروا الموت في البحر، بل حشداً من أشخاص صدّقوا أن الباب فُتح قانونياً. وقد سجّل المجلس الوطني لحقوق الإنسان أن التعبئة بلغت مستوى غير مسبوق بعد نشر قرار قضائي إسباني وتأويله على نطاق واسع في شبكات التواصل، وأن حسابات وهواتف أجنبية تسللت إلى مجموعات مغربية لنشر أخبار زائفة تشجّع على العبور.

يوم 15 غشت لم يكن ثمة ما يوهم بالمشروعية. فتقلّص الحجم، وتغيّرت التركيبة: فغالبية من اعتُرضوا من مواطني دول إفريقيا جنوب الصحراء. ونحن هنا أمام ظاهرتين متجاورتين جغرافياً، مختلفتين في أسبابهما وفي معالجتهما: هجرة عابرة تتحرك بمنطقها الخاص بصرف النظر عن الشائعة، وهجرة مغربية تحتاج تعبئتُها الجماعية إلى محفّز يوهم بانفتاح قانوني. والخلط بينهما عند قراءة الحصيلة خطأ في التصنيف قبل أن يكون خطأ في التحليل.

وهنا الخلاصة التي أراها الأهم:

الدولة تستطيع أن تمنع الحدث؛ ولا تستطيع بالتطويق أن تمسّ الاستعداد الكامن وراءه.

فالمنع يشتغل على المكان واللحظة، أما الردع فيشتغل على القرار. وما دام القرار قائماً، فإن المنع يؤجّل ولا يُلغي.

وأوضح دليل على أن الاستعداد لم يتغيّر هو أن عمليات اليقظة المعلوماتية أسفرت عن توقيف عشرات الأشخاص بتهمة التحريض الرقمي. فالتحريض لا يُنتَج إلا حيث يوجد له سوق، ولا يُروَّج إلا حيث يوجد له مستقبِل.

ثالثاً: أزمة الأرقام، أو حين تجيب الأرقام عن سؤال آخر
ثمة مفارقة في هذا الملف تختصر كل ما يمكن أن يُقال بعدها.

فإلى اليوم، لا توجد حصيلة موحَّدة ومتفق عليها لعدد ضحايا موجة يوليوز. المعطيات المتداولة من الجهات المغربية تختلف عمّا أعلنته سلطات سبتة، وتختلف كلتاهما عمّا نقلته وسائل إعلام أخرى، بل إن عدد العابرين نفسه موضع خلاف. وقد دعا المجلس الوطني لحقوق الإنسان صراحة إلى إحداث آلية مشتركة للتحقق من عدد الوفيات، والتعرف على هويات الضحايا، وضمان إعادة الجثامين إلى ذويها في ظروف تحفظ الكرامة الإنسانية. ومثل هذه الدعوة لا تصدر عن مؤسسة دستورية إلا حين يكون الغموض قائماً فعلاً.

فلنتوقف عند هذا: نحن قادرون على إنتاج نسبة النمو بمنزلتين عشريتين، وعلى نشر حجم الاستثمار العمومي بالدرهم الواحد، وعلى إحصاء الليالي السياحية وعدد المنخرطين في كل نظام. ولسنا قادرين، بعد أسابيع، على أن نقول لأسرةٍ بعينها إن ابنها حيّ أو ميت.

هذه ليست ثغرة إحصائية. إنها ترتيبٌ للأولويات في ما نختار أن نقيسه. فالقياس ليس عملية تقنية محايدة؛ إنه اختيار سياسي. نحن نقيس بدقة ما نُحاسَب عليه، ونترك في العتمة ما لا نُحاسَب عليه.

والأمر لا يقتصر على ما نغفل قياسه، بل يمتد إلى ما نقيسه فعلاً. فمعظم ما نسمّيه مؤشرات نجاعة هو في حقيقته مؤشرات تنفيذ: نسبة إنجاز الاعتمادات، وعدد الوحدات المبنية، وعدد المستفيدين المسجَّلين. أي أننا نقيس ما أنفقناه وما فعلناه، لا ما تغيّر في حياة الناس بسببه. ولهذا يمكن أن تكون كل المؤشرات خضراء بينما الواقع الاجتماعي يسير في الاتجاه المعاكس.

وهنا مصدر الشعور بالتناقض لدى المواطن. ليس لأن الأرقام مزوَّرة — أغلبها ليس كذلك — بل لأنها تجيب عن سؤال غير سؤاله. الدولة تجيب عن سؤال: “كم أنفقنا وماذا أنجزنا؟”، والمواطن يسأل: “وهل تغيّر شيء في حياتي؟”. حوارُ طرشان، طرفاه يقولان الحقيقة كلٌّ بلغته.

إنها ليست أزمة أرقام، بل أزمة ثقة في الأرقام.

رابعاً: الجيل الغائب
وأصل إلى ما أعتبره العطب الأعمق: أن مؤشراتنا لا تعرف الأجيال.

الشاب الذي وقف على شاطئ الفنيدق ليلة الثلاثين من يوليوز هو حصيلةُ سلسلةٍ من الاختيارات العمومية اتُّخذت قبل خمس عشرة سنة: جودة المدرسة التي دخلها، وكثافة قسمه، وتكوين مدرّسه، ومردودية المستشفى في مدينته، وحظّ جهته من الاستثمار العمومي. لم يشارك في أيٍّ من تلك القرارات، ولم يكن حاضراً في أي مؤشر قاس نجاحها، لكنه اليوم نتيجتها النهائية.

ونحن نُحاسِب سنوياً وقطاعياً، لكننا لا نسأل أبداً: أي جيل يدفع كلفة هذا الاختيار، وأي جيل يجني ثمرته؟ والفرق بين الدَّينين جوهري: دَين المال يُسدَّد وقد يُعاد جدولته، أما دَين التكوين فلا يُسدَّد أبداً. من فاته التعليم في العاشرة لا يعوّضه في الثلاثين.

ولهذا فإن مقولة “الشباب أخطأوا” تقلب العلاقة السببية رأساً على عقب. الشباب ليسوا صنّاع السياسات العمومية؛ إنهم منتوجها. بل إن الأسر التي تغضّ الطرف عن مغامرة أبنائها لا تفعل ذلك استخفافاً بحياتهم، وإنما لأنها تقرأ الهجرة كفرصةٍ لإنقاذ الأسرة كلها. والمشكلة ليست في الأسرة التي حسبت، بل في الواقع الذي فرض عليها هذا الحساب. كثير من هؤلاء الشباب لا يفرّ من وطنه؛ إنه يحاول إنقاذ أسرته داخله.

فالسياسة العمومية لا تُقاس بما أنجزته مع الجيل الذي يصوّت اليوم، وإنما بما تتركه للجيل الذي سيصوّت غداً.

خامساً: وحتى من عبر، ماذا وجد؟
ثمة وجه آخر للأزمة، أقل صخباً من مشاهد السياج وأشد قسوة في تفاصيله.

فالذين نجحوا في الوصول إلى سبتة لم تنتهِ رحلتهم عند الحدود؛ بدأت عندها مرحلة انتظار أخرى. مجموعات تفترش الأرصفة، وطوابير للطعام، وأماكن نوم مؤقتة. وقد سجّلت المصالح الصحية الإسبانية بالمدينة مئات حالات الرعاية الصحية في ظرف أربع وعشرين ساعة، ومرضى ما زالوا بالمستشفى بينهم حالة في العناية المركزة.

لا شيء في هذا المشهد يشبه الصورة التي رسمتها المنشورات التي دفعتهم إلى الرحلة.

وهذا معطى ضروري لاكتمال الصورة، لأنه يقطع الطريق على قراءة مريحة مفادها أن المشكلة هي جاذبية الضفة الأخرى. الضفة الأخرى ليست حلاً؛ إنها فقط أقل استحالة في الحساب الذي أجراه هؤلاء. وحين يصبح هذا هو البديل المفضَّل، فالسؤال ليس عن قوة الجاذب، بل عن قوة الدافع.

سادساً: موت الوساطة، وانتصار المنصّة
ثمة سؤال لم يُطرح بما يكفي: لماذا صدّق هؤلاء الشائعة؟

الشائعة لا تنتشر في فراغ؛ إنها تحتل المساحة التي تتركها المؤسسات الموثوقة. في مجتمع تشتغل فيه الوساطات، توجد جهةٌ يعود إليها الناس للتحقق: حزبٌ له امتداد محلي، نقابةٌ حاضرة، جمعيةٌ ذات مصداقية، منتخَبٌ يُصدَّق قوله. حين تغيب هذه الجهات جميعاً، تصبح المنصّة هي المرجع الوحيد المتاح.

فأن يكون تواصل الشاب المغربي مع “تيك توك” أوثق من تواصله مع أي هيئة وسيطة، معناه أن الوسيط السياسي فقد وظيفته الأساسية: لم يعد ينقل مطالب المجتمع إلى الدولة، ولا قرارات الدولة إلى المجتمع. تُرك الطرفان وجهاً لوجه، بلا مترجم.

بل إن الأمر تجاوز الشائعة إلى ما هو أخطر. فالمجموعات التي تداولت دعوات العبور لم تكتفِ بتحديد المواعيد ونقاط التجمع، بل تحولت إلى فضاء لعرض خدمات مؤدى عنها: عروض عبور بمبالغ تُقدَّر بآلاف الدراهم، وأماكن للإيواء داخل سبتة بعد الوصول، وعمليات نصب تستغل من صدّقها. أي أن المنصة لم تحلّ محل الوسيط فحسب، بل أنشأت في مكانه سوقاً يستثمر في اليأس ويبيعه بالتقسيط. والحدود التي صارت أكثر تحصيناً على الأرض أصبحت في الوقت نفسه أكثر انكشافاً في الفضاء الرقمي: نحن نحرس الجغرافيا ونترك الرواية بلا حراسة.

والمفارقة أن هذا لم يحدث في فترة خمول سياسي، بل في ذروة النشاط الحزبي. فالشهور نفسها التي شهدت هذه الموجات هي الشهور التي انشغلت فيها الأجهزة الحزبية بترتيب لوائحها وتحالفاتها وتزكياتها استعداداً للاستحقاق التشريعي. ولستُ أزعم صمتاً مطلقاً؛ فقد صدرت مواقف من قيادات حزبية اعتبرت ما جرى جرس إنذار. لكنها بقيت في حدود التعليق الإعلامي الفردي، ولم ترتقِ إلى مبادرة مؤسسية.

ومن يملك الوقت لترتيب لائحة انتخابية يملك الوقت لعقد اجتماع. الغياب هنا انتقائي، لا عام — وهذا أخطر من الغياب المطلق، لأنه يكشف تعريفاً ضيقاً للوظيفة الحزبية: آلة انتخابية موسمية، لا وسيط دائم.

ولا يُصلَح هذا العطب بقوانين تنظّم المنصات. الفراغ لا يُملأ بالمنع، بل بمن يستحق أن يُصدَّق.

سابعاً: حين تتوقف المساءلة ولا تتوقف الأزمات
قد تكون الدورة البرلمانية العادية قد انتهت، وقد تكون البلاد قد دخلت عملياً زمن الانتخابات. لكن المؤسسات لا تدخل عطلة حين يندفع شبابها نحو البحر. فالبرلمان، دستورياً، لم تنتهِ ولايته بعد، وإمكانية اجتماعه استثنائياً ما تزال قائمة.

وليس المقصود بالضرورة الدعوة إلى دورة استثنائية كلما وقعت محاولة للهجرة، وإنما التذكير بأن نهاية الولاية السياسية لا تعني نهاية المسؤولية المؤسساتية. فما وقع كان يستحق على الأقل أن يتحول إلى سؤال وطني داخل المؤسسة التشريعية: لماذا يعود هؤلاء الشباب إلى النقطة نفسها، رغم كل ما حدث؟

والمفارقة أن البلاد تستعد بعد أسابيع قليلة لانتخابات سيُطلب فيها من الشباب أن يعبّروا عن اختياراتهم عبر صناديق الاقتراع، بينما اختار بعضهم أن يعبّر عن حكمه على واقعه بطريقة أكثر مأساوية: بمحاولة عبور البحر.

وهنا يُطرح سؤال أوسع من ملف سبتة: هل انتهت الولاية البرلمانية سياسياً قبل أن تنتهي دستورياً؟ وهل تحولت الأسابيع السابقة للانتخابات إلى منطقة فراغ في المساءلة، في الوقت الذي لا تتوقف فيه الأزمات الاجتماعية؟

ثامناً: من حكومة المونديال إلى حكومة المواطن
لعل أكثر تعبير سياسي تداوله المغاربة في السنتين الأخيرتين هو “حكومة المونديال”. وليس في ذلك ما يعيب، إذا كان المقصود حكومة نجحت في إعداد البلاد لاستضافة حدث عالمي. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يكفي هذا الوصف وحده؟

ولستُ ممن يعارض تنظيم كأس العالم أو الاستثمار في البنيات التحتية؛ فنجاح هذا الورش مكسبٌ وطني، وقد تكون لأوراشه آثار تنموية حقيقية إذا أُنجزت بالحكامة المطلوبة. غير أن التنمية الحقيقية تبدأ حين يقتنع الشاب بأن مستقبله يوجد داخل وطنه، لا على الضفة الأخرى.

والسؤال إذن ليس: هل نريد حكومة تنجح في تنظيم حدث رياضي عالمي؟ بل: هل نريد حكومةً تنجح في ذلك وحده، أم حكومةً تنجح فيه وفي بناء إنسان يشعر بالكرامة والأمل؟

فالمونديال مشروع وطني يستحق أن ينجح، لكن نجاحه لا ينبغي أن يتحول إلى المعيار الوحيد للحكم على نجاح السياسات العمومية. فالتنمية لا تُقاس فقط بما نبنيه من منشآت، وإنما أيضاً بما نبنيه من ثقة وأمل لدى المواطن.، أما تحويله إلى معيار وحيد لنجاح السياسات العمومية فذلك اختزال للتنمية في حدث، بينما التنمية الحقيقية هي بناء الإنسان قبل بناء المنشآت.

تاسعاً: من المسؤول؟
قد يُقرأ ما سبق على أنه تحميل للمسؤولية لطرف واحد. وليس هذا مقصدي. فالمسؤولية هنا جماعية بالمعنى الدقيق للكلمة، وموزَّعة على سلسلة كاملة:

الحكومة، لأنها تضع السياسات العمومية وتنفذها. والبرلمان، لأنه يشرّع ويراقب ويقيّم، ولأن انتهاء دورته لا يُعطّل الآليات التي وضعها الدستور لمثل هذه الحالات. والأحزاب، لأن وظيفتها الدستورية تأطير المواطنين لا التنافس على المقاعد فحسب. والجماعات الترابية، لأن التنمية المحلية اختصاصها الأول، والمجالات التي انطلقت منها الموجات لها مجالس منتخبة. والمدرسة، لأنها المصنع الحقيقي للرأسمال البشري وللأمل معاً. والأسرة، لأنها أول فضاء للتنشئة وللقرار. والمجتمع المدني، لأنه الوسيط الأقرب. والإعلام، لأنه يصوغ الوعي العام ويحدد ما يستحق النقاش وما يُترك.

وحين تفشل سلسلة كاملة، فالبحث عن حلقة واحدة تُحمَّل الوزر ليس مساءلة، بل وسيلة لتجنّبها.

عاشراً: السؤال الذي ستُمتحن به الأحزاب
بعد أشهر قليلة، ستبدأ الأحزاب في عرض برامجها الانتخابية. وستُطرح أرقام جديدة: مناصب شغل موعودة، ونقاط نمو مستهدفة، ومليارات مرصودة. قبل كل ذلك، على كل حزب أن يجيب عن سؤالين:

كيف وصل هذا العدد من المغاربة إلى الاقتناع بأن البحر أرحم من اليابسة؟

وكيف ستقنعون من أراد مغادرة الوطن بأن يذهب أولاً إلى صندوق الاقتراع؟

السؤال الثاني هو الأصعب، لأن من قرر أن يعبر البحر قد أصدر حكمه مسبقاً على جدوى الصندوق. والمنافسة الحقيقية في الاستحقاق المقبل ليست بين الأحزاب فيما بينها، بل بينها جميعاً وبين خيار المغادرة.

خاتمة: أن نُحسن اختيار ما نقيس
كتبتُ خلال احتجاجات شتنبر 2025 أن المعالجة الأمنية وحدها لن تكون حلاً. وكتبتُ عند مناقشة قانون المالية 2026 أن الأولوية يجب أن تكون للتشغيل، وللعدالة الجبائية، ولإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص على أساس الشفافية ومحاربة الريع. واليوم تبدو تلك الأسئلة أشد إلحاحاً.

وإذا كان لهذا المقال أن يخلص إلى مطلبٍ واحد، فهو مطلبٌ متواضع في صياغته، ثقيلٌ في تبعاته: أن نغيّر ما نقيس.

أن نضيف إلى مؤشرات الإنجاز مؤشرات الأثر. وأن نسأل عن كل نفقة: أي جيل يدفعها وأي جيل يجني ثمرتها؟ وأن نُدرج، ولو مؤشراً واحداً، يقيس نية البقاء لدى الشباب — فهو، في نهاية المطاف، المؤشر الوحيد الذي يلخّص كل المؤشرات الأخرى.

قد تستطيع الدولة أن تمنع آلاف الشباب من الوصول إلى سبتة، وقد نجحت في ذلك. لكنها لن تنجح في إنهاء الظاهرة ما لم تجعلهم يقتنعون بأن مستقبلهم يوجد هنا. فالحدود يمكن حراستها بالقانون والجدران، أما الأمل فلا يحرسه إلا نجاح السياسات العمومية.

ولهذا فإن البحر لم يكن يوماً خصماً للدولة، بل كان مرآةً تعكس ما يحدث على اليابسة. وكل موجة هجرة جديدة ليست سوى سؤال يتكرر: هل نجحت السياسات العمومية فعلاً في بناء مواطن يرى في وطنه مشروع حياة؟

لأن أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي دولة ليس أن يغادرها بعض شبابها، بل أن يتحول البقاء فيها، في نظر جزء منهم، إلى الخيار الأقل جاذبية.

د.حميد النهري

أستاذ المالية العمومية بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة، جامعة عبد المالك السعدي

مقالات ذات صلة