المغرب يحرر شعوب العالم الثالث من “وهم” التفوق الغربي

ما يحققه المنتخب المغربي لكرة القدم في نهائيات كأس العالم 2026 يتجاوز كونه طفرة رياضية أو إنجاز كروي إلى تكسير تلك السردية الغربية التي استوطنت طويلا في مخيلة شعوب العالم الثالث وأوهمتها أن “الآخر” (الغربي) متفوق جينيا وحضاريا وتنظيميا، وأن أقصى طموحنا يجب أن يتوقف عند “المشاركة المشرفة” أو التمثيل الرمزي، ودون الجرأة على مجاراته أو تجاوزه، لكن “الأسود” اليوم يكتبون بمداد الندية تاريخا جديدا يرفض الوصاية الذهنية

لقد كسر الانجاز المغربي  هذه السرديات الكبرى التي صاغها الغرب عن نفسه وعن شعوبنا العربية والإفريقية طوال قرون، موهما إياها بأن التفوق قدر بيولوجي أو ثقافي محصور في الرجل الأبيض، وأنها ليست سوى شعوب “تابعة” أو “متخلفة” في أحسن الأحوال، محكوم عليها بالدهشة والانبهار أمام إبداع الآخر الأبيض.
اليوم، حين نشاهد المنتخب المغربي يقارع “كبار القوم” في الكرة بندية تامة، ويفرض أسلوبه وشخصيته في الميدان، فإننا نرى تحطيما لـ “عقدة النقص”. وهو رسالة صريحة لكل شعوب الجنوب بأن الهزيمة ليست قدرا محتوما، وأن التفوق الغربي ليس “حقيقة مطلقة”.

وهكذا، أكد المغرب أن الإرادة الصلبة، والعمل الاحترافي ، والإيمان بالذات مفتاح أي نجاح، الأمر الذي جعل أسود يدخلون مبارياتهم اليوم وهم “مرشحون للفوز”، لا مجرد “رقم تكميلي” ينتظر المعجزات.

ظل الاستشراق، كمنظومة فكرية وسياسية، يغذي لقرون صورة نمطية عن الإنسان العربي باعتباره كائنا فوضويا ومتخلفا، يفتقر إلى التنظيم والقدرة على الانضباط التكتيكي، وهي الرؤية التي تسللت إلى وعينا الذاتي حتى أصبحنا نرى في الهزيمة أمام الغربي أمرا طبيعيا، وفي الفوز عليه معجزة لا تتكرر. لكن ما يفعله “أسود الأطلس” اليوم هو تمزيق علني لهذه الروايات الاستشراقية المسمومة، فمنذ ملحمة قطر 2022 حين أطيح بالعملاقين الإيبيريين، إسبانيا والبرتغال، وصولا إلى مونديال 2026 الذي شهد سقوط المنتخب الهولندي، رائد “الكرة الشاملة” ومنبع الفلسفة التكتيكية الحديثة، تأكد للعالم الثالث أجمع أن “التفوق” ليس حكرا على أحد، وأن تلك الهالة التي تحيط بالمنتخبات الأوروبية ليست سوى جدار من وهم تهاوى أمام إرادة العمل والتكوين ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب ومحاربة الزبونية والوساطات.

ولو نظمنا مئات المحاضرات الأكاديمية، وآلاف الندوات الفكرية، وألفنا مجلدات في “نقد الغرب” ومحاولة تكسير صورته المتعالية في أذهان شبابنا، لما نجحنا في تحقيق ما حققه المنتخب المغربي في بضع مباريات. فالفعل الرياضي هنا تحول إلى لغة عالمية بليغة، تتجاوز تنظير النخب لتخاطب وجدان الجماهير البسيطة، فحين يرى الشاب العربي والإفريقي أن اللاعب المغربي لا يكتفي بالدفاع، بل يهاجم، ويناور، ويفرض إيقاعه، وينتصر بذكاء تكتيكي يتفوق به على “أساتذة” اللعبة في أوروبا، فإنه يتحرر داخليا من قيود التبعية. لقد استطاع المنتخب المغربي أن يحول القوة الكروية الغربية من نموذج ملهم إلى مجرد منافس يمكن هزيمته بالعمل والعلم والإيمان.

لقد دخل المنتخب المغربي المباريات وهو مرشح للفوز، وهذه الندية هي جوهر التغيير، فهي تعني أن موازين القوى الذهنية قد أعيد ترتيبها، وأن الشعور بالدونية قد استبدل بثقة وجودية نابعة من كفاءة حقيقية على الأرض. هذا الإنجاز هو صرخة في وجه كل الروايات التي صنفتنا كشعوب مستهلكة للحضارة لا صانعة لها، فمن يستطيع تطويع الساحرة المستديرة وتحطيم حصون عواصم الكرة العالمية، قادر على صناعة المجد في كل المجالات لو توفرت له نفس شروط الإرادة والاستثمار في الذات.

لقد أصبح المنتخب المغربي اليوم هو “المثقف العضوي” الحقيقي الذي يمارس النقد الحضاري بالأقدام والعقول، محطما السلاسل النفسية التي قيدت خيالنا طويلا. إنها لحظة استرداد الثقة المفقودة، والتأكيد على أننا لسنا “أطرافاً” في هذا العالم، بل نحن قلبه النابض وقوته القادمة، طالما أننا آمنا بأن “الآخر” ليس أفضل منا. وهكذا نجح أسود الأطلس في تحويل كرة القدم من “لعبة” إلى “أداة تحرر” من القيود الذهنية التي كبلت طموحاتنا لعقود.

مقالات ذات صلة