الجزائر.. ديبلوماسية الموز وزيف الشعارات

تتجه العلاقات الفرنسية الجزائرية إلى العودة لطبيعتها العادية، دون أن يحقق قصر المرادية أي نتائج تذكر من الحرب الديبلوماسية التي فتحها مع قصر الإليزي، منذ الاعتراف الفرنسي بمغربية الصحراء، وعادت بخفي حنين خاوية الوفاض، بعدما حاولت جاهدة دفع باريس إلى التراجع عن موقفها المنسجم مع التاريخ والجغرافيا والقانون الدولي.

وأعرب كل من الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، عن رغبتهما في استئناف الحوار المثمر بين البلدين، وتطوير علاقات التعاون الاقتصادي، وتعزيز التجارة والاستثمار في إطار مراعاة مصالح البلدين، إضافة إلى مناقشة قضايا الهجرة، مما يؤشر على أن الأزمة انتهت وتسير نحو الانفراج.

تأتي هذه الخطوة بعد أشهر من الأزمة الديبلوماسية والجفاء بين البلدين ، بعد رسالة الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون إلى الملك محمد السادس بمناسبة عيد العرش، الصيف الماضي، أكد من خلالها أن فرنسا تعتبر أن حاضر ومستقبل الصحراء الغربية يندرجان في إطار السيادة المغربية، وهو الموقف الذي جدده في خطابه أمام البرلمان المغربي، في إشارة إلى أنه نابع من قناعة تامة وليس مجرد حدث عابر.

الاعتراف الفرنسي بمغربية الصحراء، دفع الجزائر إلى سحب سفيرها مباشرة بعد رسالة ماكرون إلى الملك محمد السادس ، مما يظهر بالملموس وبما لا يدع مجالا للشك أن الجزائر طرف أصيل في هذا النزاع الإقليمي المفتعل، رغم نفيها باستمرار ذلك، فالواقع العنيد يكذب هذه الادعاءات.

وتصاعدت حدة التوترات بين فرنسا والجزائر، ولعب حكام قصر المرداية عدة أوراق ديبلوماسية وسياسية واقتصادية وأمنية في محاولة جزائرية للضغط على باريس للتراجع عن موقفها من الصحراء المغربية، وصلت إلى حد سحب السفير، في الوقت الذي كان يمكن استدعاءه للتشاور وإبقاء على شعرة معاوية وحفظ ماء وجه البلد، إضافة إلى الاعتراض الرسمي على المناورات العسكرية المقررة بين الجيشين الفرنسي والمغربي بمدينة الراشيدية على تراب المملكة المغربية.

اللافت أيضا أن الجزائر حاولت اللعب على وتر العقوبات الاقتصادية و ممارسة مزيد من الضغط على صانع القرار الفرنسي، وإثارة ملفات معقدة حساسة كملف الذاكرة.

وزادت التوترات بين البلدين بعد اعتقال الكاتب بوعلام صنصال، ورفض الجزائر استلام مواطنيها الصادرة بحقهم مذكرات ترحيل من باريس. من جهته طلب رئيس الوزراء الفرنسي فرنسوا بايرو في فبراير الماضي مراجعة اتفاقية الهجرة لعام 1968، التي تنظم تنقل الجزائريين في فرنسا، وهو الأمر الذي فهمت من خلاله الجزائر أن فرنسا لا تتراجع عن موقفها بل ماضية في تصعيد حربها الديبلوماسية، مما جعلها تغير من تكتيكها وتقبل شروط باريس.

عودة العلاقات بين باريس والجزائر دون أن تغير فرنسا من موقفها من مغربية الصحراء، بل والاستجابة للشروط الفرنسية بإطلاق سراح الكاتب بوعلام صنصال وعودة السفير الجزائري إلى باريس، يؤكد أن الجزائر تدخل معارك خاسرة، فقط من أجل معاكسة مصالح المملكة السيادية، كما يبين أن ديبلوماسيتها تعيش تخبطا واضحا وارتجالية في تعاملها مع الدول الداعمة لخطة الحكم الذاتي التي منحتها المملكة لاقاليمها الجنوبية.

ومن سخرية الاقدار أنها ليست المرة الأولى التي تعيد الجزائر علاقاتها مع بلد قطعتها معه بسبب المغربية الصحراء، فقط سبق أن توترت العلاقات بين إسبانيا والجزائر، ولعبت أيضا هذه الأخيرة ورقة العلاقات التجارية، لتعود  في الاخير العلاقات بين البلدين، دون أن تغير مدريد من موقفها من قضية الصحراء المغربية.

هذه الميزاجية وعدم الوضوح والارتجالية في التعامل مع الدول  يوضح أن ديبلوماسية الجزائر ليست في عنق الزجاجة، وإنما في قعر الزجاجة.

هذا، في الوقت الذي أبدت المملكة المغربية دائما نوعا من المرونة في تعاملها مع الجزائر من خلال نهج سياسية اليد الممدودة، والدعوة إلى فتح حوار بين البلدين باعتباره سلوكا مجتمعيا وحضاريا، وهو ما قابلته الجزائر بجفاء واستعداء مجاني، وهجوم متواصل على المغرب، وصل إلى حد قطع العلاقات بين البلدين وإغلاق المجال الجوي في وجه المملكة.

إن ديبلوماسية المملكة المغربية وبفضل سياساتها المبنية على الوضوح وعدم التدخل في شؤون الدول، استطاعت أن تكون شريكا  موثوقا فيه يتمتع بمكانة متميزة دوليا، بفضل نجاح استراتيجيته الكبرى المبنية على شراكة رابح- رابح.

هذه النجاحات الديبلوماسية المغربية أثبت أن قوة المبدأ والموقف والقضية لا تزحزحها حركة بهلوانية أو هجوم على سيادة المملكة، وهو ما فهمته دول كبرى، لتغير من مواقفها من مغربية الصحراء ، وتلتحق بركب الدولة الداعمة لخطة المغرب بمنح أقاليمه الجنوبية الحكم الذاتي تحت سيادته.

يحاول النظام الجزائري من خلال استعدائه الدائم لمصالح المملكة العليا ومعاداة وحدتها الترابية تصدير أزمته الداخلية إلى الخارج، في المقابل، مدت الرباط يدها للجزائر من أجل الحوار والعمل المشترك بما يضمن رخاء وكرامة الشعبين الجزائري والمغرب، وبعث الملك محمد السادس رسالة طمأنة للشعب الجزائري، مفادها أن السوء لن يصيب أشقاءنا الجزائريين من جارهم الغربي، المملكة المغربية.

من جهة أخرى، تنأى الرباط  بنفسها عن تقديم أي دعم لحركة استقلال  القبائل، المعروفة اختصارا بـ  الماك، والتي تسعى إلى الانفصال عن الجزائر، إيمانا بوحدة الجارة الشرقي للمملكة، وهذا من صميم عقيدتها الديبلوماسية المبنية على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الاخرى، إلا من خلال البحث عن الحلول، مثل ما وقع في ليبيا، عندما احتضنت المملكة الحوار الليبي- الليبي، وغيرها من المواقف الثابتة للمغرب.

وفي الختام، متى يفهم حكام قصر المرداية أن قوة المغرب من قوة الجزائر، وقوة المغرب من قوة الجزائر، ولا بد للشعبين الجزائري والمغربي أن يلتقيا يوما.. إنها سنة التاريخ  والمصير المشترك.

حسن قديم

مدير نشر موقع الميدان بريس

مقالات ذات صلة