شاطئ “مادام شوال” في موعد مع البيئة: حملة نظافة تعزز ثقافة المسؤولية البيئية وحماية الساحل
بقلم: ذة حسناء بوكيد _اطار بجامعة الحسن الثاني الدار البيضاء، باحثة
لقد أصبحت قضية نظافة الشواطئ جزءاً من نقاش كبير حول حماية النظم البيئية البحرية، والحد من النفايات البحرية، وتعزيز المسؤولية الجماعية في المحافظة على الموارد الطبيعية، ولم تبق مجرد مسألة جانبية مرتبطة بالمظهر العام للفضاءات الساحلية.

وفي هذا السياق، شهد شاطئ مادام شوال بالقرب من Morocco Mall بالدار البيضاء، يوم السبت 3 أكتوبر 2026، تنظيم حملة للنظافة من الساعة العاشرة صباحاً ، بمشاركة أعضاء المكتب الوطني والمكتب الجهوي لجمعية الماء والطاقة للجميع، وبشراكة مع Greenpeace وجمعية بحري.
وتأتي هذه المبادرة في سياق يتزايد فيه الاهتمام العلمي والمجتمعي بمشكلة النفايات الساحلية، باعتبارها أحد مظاهر الضغط البشري على البيئة البحرية. لأن الشاطئ ليس مجرد فضاء للترفيه والاستجمام، بل هو جزء من نظام بيئي ديناميكي تتفاعل فيه العمليات البحرية والبرية والمناخية مع الأنشطة البشرية.
فقد أظهرت دراسة واسعة النطاق شملت 29 شاطئاً مغربياً على الساحلين الأطلسي والمتوسطي أن النفايات البلاستيكية تمثل المكون الأكثر حضوراً ضمن المخلفات البحرية التي جرى رصدها، حيث شكلت المواد البوليمرية الاصطناعية أكثر من 78% من العناصر التي تم رصدها في الدراسة. كما بينت النتائج وجود اختلافات في كثافة النفايات تبعاً للموسم، ونوع الشاطئ، ووجود الأنهار، ومصادر الأنشطة البشرية (Mghili et al., 2024).
وفي دراسة سابقة تناولت الساحل الأطلسي المركزي للمغرب، سجل Abelouah وزملاؤه (2021) وجود تفاوت واضح في كثافة النفايات البحرية بين شواطئ تغازوت وأورير وأنزا، مع هيمنة المواد البلاستيكية التي شكلت نحو 79% من العناصر التي تم جمعها في المواقع المدروسة. وتبرز هذه النتائج أهمية اعتماد برامج منتظمة للرصد والتقييم بدل الاقتصار على الملاحظات الظرفية (Abelouah et al., 2021).
وتكتسي هذه النتائج أهمية خاصة بالنسبة للسواحل المغربية، لأنها تبين أن مشكلة النفايات البحرية لا يمكن اختزالها في عمليات التنظيف وحدها، فالنفايات التي تصل إلى الشاطئ قد تكون نتيجة أنشطة محلية، أو قد تنتقل عبر الأنهار والجريان السطحي والرياح والأمواج والتيارات البحرية، وهو ما يجعل تدبيرها قضية تتطلب الوقاية والرصد والتتبع والتدخل المستمر والسريع.
من هذه الزاوية، تكتسب حملة تنظيف شاطئ مادام شوال بعدا يتعدى جمع النفايات من الرمال، بل هي شكل من أشكال المشاركة المواطنة في حماية المجال الساحلي، وتتيح تحويل الوعي البيئي من خطاب نظري إلى ممارسة ميدانية، لا سيما أنه تم اشراك الناشئة في النشاط، وقد أبدى الأطفال فعالية قوية ورغبة حقيقية في تحدي التلوث وتجلياته.
وتتجلى أهمية العمل الجمعوي في هذا المجال في قدرته على خلق علاقة مباشرة بين المواطن والمجال الطبيعي الذي يستعمله يومياً، فعندما يشارك الفرد في تنظيف الشاطئ، فإنه لا يتعامل معه باعتباره فضاءً عاماً مجهول المسؤولية، بل باعتباره جزءاً من محيط مشترك تتطلب حمايته مساهمة الجميع.
وتزداد أهمية هذا البعد في المدن الساحلية الكبرى، حيث تتقاطع الاستعمالات الترفيهية والسياحية والعمرانية مع هشاشة النظم البيئية الساحلية، ولذلك فإن المبادرات التطوعية يمكن أن تؤدي وظيفة تربوية مهمة، خصوصاً عندما ترتبط بالتوعية بمصادر النفايات وآثارها وليس فقط بإزالتها.
لا يمكن، بطبيعة الحال، أن تحل حملة واحدة مشكلة النفايات البحرية أو الضغوط التي تواجه النظم الساحلية، لكن قيمتها تكمن في قدرتها على خلق صلة بين العمل الميداني، والتوعية، والمجتمع المدني، والمعرفة العلمية.
وهذا يعني أن الحملات الميدانية يمكن أن تكون أكثر قيمة عندما تكون مصاحبة لعملية تعلم جماعي: ما أنواع النفايات الموجودة؟ ما مصادرها المحتملة؟ هل تتكرر في الموقع نفسه؟ هل ترتبط بموسم معين؟ وما التدابير التي يمكن أن تمنع وصولها إلى الشاطئ ؟
ومن هذا المنطلق سيتحول العمل التطوعي من مجرد تنظيف للنفايات إلى مدخل لتعزيز الثقافة البيئية القائمة على الملاحظة والوقاية والمسؤولية. فحماية الساحل لا تنفصل عن الحكامة البيئية للموارد الطبيعية، والشواطئ والمصبات والأنهار والمناطق الحضرية تشكل منظومة مترابطة، وأي ضغط يمارس في جزء منها يمكن أن تكون له انعكاسات على أجزاء أخرى.
ولذا فإن تدبير البيئة الساحلية يتطلب تنسيقاً بين الجماعات الترابية والمؤسسات العمومية والجمعيات والباحثين والمواطنين، إلى جانب اعتماد المعطيات العلمية في تحديد الأولويات.
وفي هذا السياق، فإن مشاركة جمعية الماء والطاقة للجميع، من خلال مكتبها الوطني ومكتبها الجهوي، إلى جانب Greenpeace وجمعية بحري، تعكس أهمية إشراك المجتمع المدني في القضايا المرتبطة بالبيئة والماء والساحل، ولا يتعلق الأمر بإحلال العمل الجمعوي محل المؤسسات المختصة، وإنما بإيجاد تكامل بين الأدوار.
إن القيمة الحقيقية لهذه الحملة ليست بعدد الأكياس التي تم جمعها خلال ساعتين، وإنما بما يمكن أن تتركه من أثر على السلوك والوعي الجماعي، لا سيما بالنسبة للأطفال المشاركين في النشاط.
والتحدي الأساسي بالنسبة لنا ليس أن ننظف الشاطئ يومه ولا نتردد في اعادة إنتاج المشكلة بعد انتهاء الحملة، وإنما أن نصل تدريجياً إلى مستوى يصبح فيها منع التلوث جزءاً من السلوك اليومي.
وهنا تبرز الحاجة الملحة إلى ربط حملات النظافة ببرامج مستمرة للتوعية البيئية، وتشجيع تقليل النفايات البلاستيكية، وتحسين ممارسات التخلص من المخلفات، وتعزيز المراقبة والرصد، وإشراك المدارس والجامعات والجمعيات والفاعلين المحليين.
وعليه، فإن المسؤولية لا تقع على طرف واحد، المواطن مسؤول عن سلوكه، والجمعية مسؤولة عن التوعية والتعبئة، والمؤسسات مسؤولة عن التدبير والوقاية والمراقبة، والباحثون مسؤولون عن إنتاج المعرفة العلمية التي تساعد على اتخاذ القرار.
رسالة جمعية الماء والطاقة للجميع و Greenpeace وجمعية بحري تتجاوز يوم 3 أكتوبر2026، وتتجاوز حملة تنظيف شاطئ مادام ، بل هي فرصة للتذكير بأن حماية الساحل ليست نشاطاً موسمياً مرتبطاً بفصل الصيف أو بمناسبة محددة، وإنما هي مسؤولية مستمرة ترتبط بجودة الحياة وبسلامة النظم البيئية وبحق الأجيال القادمة في بيئة سليمة، وسيكون شعارنا جميعا :
“حماية الساحل ليست مسؤولية جهة واحدة، بل مشروع مجتمعي وعلمي ومؤسساتي متكامل”




