كالم تكتب.. جيل يفر من هويته
الشعيبية كالم
باحثة بسلك الماستر/فنون وإعلام
المشهد اليوم في سبتة يمزق القلب؛ عشرات، بل مئات، وأحيانا آلاف الشباب يرمون بأنفسهم في أحضان البحر، يسبحون في مواجهة الموت ، في سباق قاس لا يعرف الرحمة.
لِننْسَ الصراعات السياسية، ولنضع جانبا الأحزاب والأطراف بكل نواياها، بريئة كانت أو غير بريئة، لِنَنْسَ حركات قِطع الشطرنج.. دعونا نتحدث إنسانيا فقط… إِنْسَانيًا، إِنسانيًا، إنسانيا.
هل يعقل أن شابًا في مقتبل العمر، في ريعان شبابه، يضع حياته بين رمشة عين وموجة واحدة؟ يترك خلفه جذوره، ترابه، نسبه، ذكرياته، عائلته، أحلامه الصغيرة التي كانت يوما ما تُرْوَى تحت سقف بيته؟ يفر من هويته، من بطاقته الوطنية، من انتمائه… فكرة الفرار من “مَنْ أنت” فكرة مخيفة، مرعبة، تكشف حجم اليأس الذي يصل إليه الإنسان.
كم استغرق منه البؤس والإحباط والشعور بالانسداد حتى يصل إلى هذه اللحظة؟ كم ليلة قضاها يفكر، يزن الخيارات، ثم يختار الأصعب: أن يسبح، وأن يراهن على أن قلبه سيكون أقوى من البحر؟ لم يفكر في الاحتجاج، لم يفكر في الوقوف بوجه البؤس داخل بلده، لم يفكر في الاعتصام… اختار أن يضع إصبعه في الخانة الأخيرة، خانة الفرار في سباق مع الموت. والأقوى بينهم هو من يخرج حيا من أعماق البحر.
هناك شيء مقلق أكثر من المشهد نفسه، وهو أن هذا القرار لم يعد فرديا، بل تحول إلى “وعي جماعي” يتناقله الشباب فيما بينهم، كأنه الخيار الوحيد المتبقي. حين يصبح الخطر المشترك رابطا اجتماعيا، وحين يتحول الحديث عن “الحرقة” إلى لغة يومية عادية بين المراهقين والشباب، فهذا يعني أن الخوف من الموت لم يعد كافيا لردع أحد، لأن اليأس تجاوز غريزة البقاء نفسها. هذه ليست حالات معزولة نتعاطف معها بشكل عابر، إنما بداية تشكل “ثقافة هروب” تتوارثها الأجيال، جيل يُعَلِّم الجيل الذي يليه أن النجاة تكون بالخروج، لا بالبقاء والمحاولة.
هؤلاء الشباب هم أعمدة الوطن، أساسه وثباته، جيل بأكمله يغادر، أو يحاول أن يغادر، تاركا وراءه فراغا لا يُملأ بسهولة. ليسوا مجرد أرقام في إحصائيات الهجرة غير النظامية، ولا هم “مُهَاجِرون” في تقارير إعلامية باردة، هم أبناء، إخوة، أصدقاء، أحلام معلقة، طاقات كانت يمكن أن تبني، أن تخلق، أن تحلم داخل أرضها.
إنسانيا… يجب أن نتوقف لحظة ونسأل: ما الذي يدفع شابًا في ريعان قوته إلى أن يفضل الموت المحتمل على البقاء؟ ما حجم الألم واليأس الذي يجعل السباحة نحو المجهول أفضل خيار؟
هذا ليس مجرد حدث أمني أو سياسي، إنما صرخة جيل يشعر أن أبواب المستقبل أغلقت في وجهه داخل وطنه. ومهما اختلفت التحليلات والأسباب، يبقى الإنسان إنسانا، يبقى الشاب شابا يستحق حياة كريمة، أملا، فرصة، قبل أن يضطر إلى المقامرة بحياته في بحر لا يرحم.
يسمي هذا أحيانا “اليأس الوجودي”، حين يفقد الإنسان الإحساس بأن هناك غدا يستحق الانتظار. فالشاب الذي يرمي بنفسه في البحر لا يفعل ذلك لأنه يستهين بحياته، بل لأنه يشعر أن حياته “متوقفة” أصلا، وأن البحر رغم قسوته يمنحه على الأقل احتمالا، بينما البقاء لا يمنحه حتى الاحتمال، والمفارقة المؤلمة أن الموت المحتمل في الماء أصبح، في ذهنه، أرحم من الموت البطيء في الانتظار.
والآلاف غيرهم يتبنون نفس الفكرة، ينتظرون الفرصة المناسبة للفرار، وهذه أخطر فكرة على الإطلاق: أن يصبح الهرب خيارا طبيعيا في عقول جيل بأكمله.
ما يوجعنا ليس فقط الصورة، بل أن نعرف أن خلف كل رأس يظهر وسط الأمواج، أما تنتظر، تدعو، لا تعرف إن كانت ستحتضن ابنها مساء أو تودعه إلى الأبد، الأم لا تسأل عن الأسباب السياسية أو الاقتصادية، هي تسأل سؤالا واحدا بسيطا وقاسيا: “علاش ما صبرش ومبقاش في بلادو؟”
أعاد الله السلام إلى قلوب كل شباب هذا الوطن، وفتح آفاقا حقيقية لهم حتى لا يضطروا يوما إلى أن يودعوا ترابهم بحثا عن “حياة”.
إنسانيا… يكفي.



