شوقي يفكك أرقام مالية 2027: 62 مليار درهم للوعود ومليون منصب شغل تحت مجهر المساءلة
وضع سمير شوقي، عضو فريق العدالة والتنمية بمجلس النواب وعضو لجنة المالية والتنمية الاقتصادية، مشروع قانون المالية لسنة 2027 تحت مجهر المساءلة، من خلال مداخلة ركز فيها على مدى قدرة الحكومة على تحويل التزاماتها السياسية والاجتماعية إلى نتائج ملموسة، متسائلا عما إذا كانت الميزانية الجديدة تؤسس فعلا لنموذج اقتصادي منتج، أم تكتفي بإعادة صياغة الوعود الحكومية بأرقام جديدة.
واعتبر شوقي، خلال مناقشة مشروع القانون، أن الميزانية ليست مجرد وثيقة محاسبية تتضمن تقديرات المداخيل والنفقات، بل تمثل الترجمة الفعلية للاختيارات السياسية والاقتصادية للحكومة، مؤكدا أن كل التزام لا يستند إلى تمويل واضح وآليات تنفيذ محددة ومؤشرات قابلة للقياس يظل وعدا سياسيا يصعب إخضاعه للمحاسبة.
وفي هذا السياق، توقف المتحدث عند فرضية تحقيق نمو اقتصادي بنسبة 3.7 في المائة سنة 2027، مقابل هدف حكومي يرمي إلى بلوغ متوسط نمو سنوي في حدود 5 في المائة خلال الفترة الممتدة من 2027 إلى 2031. واعتبر أن هذا الفارق يطرح أسئلة بشأن القطاعات التي ستقود التسارع الاقتصادي المرتقب، وحجم مساهمة الصناعة والفلاحة والخدمات ذات القيمة المضافة في تحقيق الأهداف المعلنة.
كما أثار شوقي مسألة التفاوت بين تطور المداخيل الجبائية والاستثمار العمومي، مشيرا إلى أن المداخيل الجبائية المرتقبة ستنتقل من 376.08 مليار درهم سنة 2026 إلى 437.40 مليار درهم سنة 2027، بزيادة تناهز 16.3 في المائة، في حين لن تتجاوز الزيادة في اعتمادات الأداء المتعلقة بنفقات الاستثمار، وفق الأرقام التي استند إليها، 1.41 في المائة.
واعتبر أن هذه المعطيات تستدعي توضيحا بشأن أوجه توظيف الموارد الجبائية الإضافية، ومدى انعكاسها على الإنتاجية وخلق فرص الشغل، داعيا إلى تقديم معطيات موحدة تتيح التمييز بين الاستثمارات المبرمجة وتلك المنجزة فعليا، وتفادي احتساب الاعتمادات والتحويلات بصورة مزدوجة.
وفي ما يتعلق بالالتزامات الحكومية، توقف عضو فريق العدالة والتنمية عند الغلاف المالي المعلن، والمقدر بـ62 مليار درهم لتنزيل البرنامج الحكومي خلال سنة 2027، متسائلا عن طبيعة الاعتمادات المرصودة، وما إذا كانت تمثل نفقات جديدة بالكامل أم تشمل مبالغ قائمة أعيد تجميعها ضمن برامج جديدة، فضلا عن ضرورة التمييز بين النفقات المباشرة والتدابير الضريبية والالتزامات متعددة السنوات.
وسجل شوقي أن مجموع البنود الواردة في الجدول المعروض يبلغ، وفق حسابه، 62.2 مليار درهم، وليس 62 مليار درهم بالضبط، معتبرا أن ضبط الأرقام وتوضيح طبيعة الأغلفة المالية يشكلان مدخلا أساسيا لتعزيز الشفافية البرلمانية.
وفي محور التشغيل، شدد المتحدث على أن التعهد بإحداث مليون منصب شغل خلال الولاية الحكومية يقتضي وضع خارطة طريق سنوية واضحة، تحدد عدد المناصب الصافية المستهدف إحداثها في كل قطاع، وطبيعتها وكلفتها والجهات المسؤولة عنها. كما دعا إلى التمييز بين فرص الشغل الدائمة والمناصب المؤقتة، وبين المستفيدين من التكوين والمواكبة وبين الأشخاص الذين حصلوا فعليا على وظائف مستقرة ومصرح بها لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
وتساءل في هذا الإطار عن مدى قدرة الغلاف المالي المخصص لإدماج الشباب، والبالغ ستة مليارات درهم، على إحداث تحول ملموس في وضعية الشباب الموجودين خارج التعليم والتكوين وسوق الشغل، داعيا إلى الانتقال من احتساب أعداد المستفيدين من البرامج إلى قياس أثرها الحقيقي على الوضع الاقتصادي والاجتماعي للفئات المستهدفة.
وبخصوص القدرة الشرائية، أثار شوقي أسئلة بشأن الأثر الفعلي لمراجعة الضريبة على الدخل والإعفاءات الضريبية والجمركية على دخل الأسر وأسعار المواد الأساسية، معتبرا أن تخفيف العبء الضريبي لا يكفي وحده لتحسين معيشة المواطنين إذا استمرت اختلالات المنافسة وارتفاع تكاليف النقل والتوزيع وتعدد الوسطاء.
كما دعا إلى ربط الإعفاءات الممنوحة للمستوردين والمقاولات بمؤشرات قابلة للقياس، تتيح التأكد من انتقال أثرها إلى المستهلك النهائي، بدل تحولها إلى امتيازات اقتصادية لا تنعكس بالضرورة على الأسعار.
وفي معرض مناقشته للفرضيات الاقتصادية التي بني عليها المشروع، توقف شوقي عند أسعار الطاقة والمحصول الفلاحي، داعيا الحكومة إلى تقديم سيناريوهات بديلة تقيس أثر تقلبات أسعار النفط وغاز البوتان وتراجع الإنتاج الفلاحي على التضخم والنمو والعجز المالي وكلفة المقاصة. كما طرح تساؤلات بشأن الموارد المرتقب تحويلها من المكتب الشريف للفوسفاط إلى ميزانية الدولة، في ضوء المعطيات المالية التي أوردها خلال مداخلته.
وعلى مستوى العدالة المجالية، اعتبر شوقي أن تخصيص 25 مليار درهم لبرامج التنمية الترابية المندمجة يظل رهينا بوضوح معايير توزيع الموارد بين الجهات والأقاليم، ومدى ارتباطها بمؤشرات الفقر والبطالة والعزلة والخصاص في الخدمات الأساسية، فضلا عن ضمان إشراك المجالس المنتخبة وتعزيز الشفافية في اختيار المشاريع وتتبع تنفيذها.
كما دعا إلى إخضاع الاعتمادات المخصصة للصحة والتعليم لمؤشرات تقيس أثر الإنفاق العمومي على جودة الخدمات، من خلال تحسين الولوج إلى العلاج، وتقليص آجال المواعيد والفحوصات، والحد من الهدر المدرسي والاكتظاظ، والارتقاء بمستوى التعلمات الأساسية.
وفي ما يتعلق بمحاربة الريع والفساد، أكد شوقي أن مواجهة هذه الاختلالات ينبغي أن تتجاوز الخطاب السياسي إلى إجراءات تشريعية وتنظيمية قابلة للتقييم والمحاسبة. وكشف، في هذا السياق، عن مبادرة فريق العدالة والتنمية إلى وضع أربعة مقترحات قوانين تهم تجريم الإثراء غير المشروع، والوقاية من تنازع المصالح وتجريم تسريب المعلومات المتميزة للحصول على المنافع والامتيازات، وحماية الموظفين العموميين المبلغين عن أفعال الفساد، وتوحيد وتحيين التشريع المتعلق بالتصريح الإجباري بالممتلكات.
وخلص شوقي إلى أن التحدي الأساسي الذي يواجه مشروع قانون المالية لسنة 2027 لا يرتبط فقط بحجم الاعتمادات المرصودة أو مستوى الإنفاق العمومي، وإنما بمدى قدرة هذه الموارد على إحداث أثر ملموس في حياة المواطنين، من خلال تقليص البطالة وتحسين القدرة الشرائية وجودة الخدمات العمومية وتقليص الفوارق المجالية.
وشدد على أن المعارضة المسؤولة لا تقوم على رفض جميع الإجراءات الحكومية، بل على كشف الاختلالات واقتراح البدائل والدفاع عن المال العام، داعيا الحكومة إلى تقديم أجوبة رقمية دقيقة وقبول تعديلات برلمانية تعزز الشفافية والنجاعة والعدالة الجبائية والاجتماعية.



