مرافق جماعية بإنزكان تحت المجهر.. 25 سنة من الاستغلال تفتح ملف النفوذ الاقتصادي والسياسي

 

هل تحولت بعض المرافق الجماعية بمدينة إنزكان، على مدى أكثر من ربع قرن، إلى مجال اقتصادي مغلق يستفيد منه البعض بل يحتكره ؟ وهل يعكس تكرار استفادة شركات مرتبطة بالشخص نفسه من عدد من عمليات استغلال المرافق الجماعية وجود اختلالات في منظومة المنافسة وتدبير الملك الجماعي؟

أسئلة ثقيلة تعود اليوم إلى الواجهة، في سياق جديد، بعدما ظهر اسم أحد المستفيدين الاقتصاديين من هذه المرافق ضمن قائمة المرشحين للانتخابات البرلمانية بدائرة إنزكان أيت ملول.

المعطيات والوثائق التي اطلع عليها أحد أعضاء المجلس الجماعي لإنزكان، في إطار ممارسة مهامه الرقابية، ونشرها في تدوينة له على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي ” الفايسبوك”، تستحق أن يطلع عليها الراي العام المحلي والوطني، لكونها تثير جملة من علامات الاستفهام بشأن طريقة تدبير واستغلال عدد من أهم المرافق الاقتصادية بالمدينة، من بينها المجزرة الجماعية، المرابد، سوق الجملة، سوق التمور وسوق المواشي.

وبحسب هذه المعطيات، فإن شركات تعود إلى الشخص نفسه، والذي يوجد على رأسها بصفته المسير القانوني، حضرت بشكل متكرر في عمليات الاستغلال وطلبات العروض المتعلقة بعدد من هذه المرافق، وهو ما يطرح سؤالاً مشروعاً حول مدى توفر شروط المنافسة الحقيقية وتكافؤ الفرص بين المتنافسين.

الأكثر إثارة للتساؤلات يتعلق، وفق المعطيات المتوفرة، ببعض طلبات العروض التي عرفت مشاركة شركات وأشخاص يوصفون، بحسب ما هو متداول محلياً، بأنهم قريبون من المستفيد الرئيسي، قبل أن يتم إقصاؤهم لأسباب مرتبطة بعدم استكمال الملفات أو غياب بعض الوثائق والضمانات المطلوبة.

وإذا كانت هذه الإقصاءات قد تمت وفقاً للمقتضيات القانونية والتنظيمية المؤطرة للصفقات وطلبات العروض، فإن الأمر لا يطرح إشكالاً في حد ذاته. غير أن تكرار السيناريو نفسه، إن ثبت بالوثائق، يستدعي افتحاصاً مستقلاً للتأكد مما إذا كانت المنافسة كانت فعلية أم أن بعض المشاركات لم تكن سوى إجراءات شكلية.

كما تطرح عروض مالية متدنية بشكل كبير، بحسب المعطيات نفسها، سؤالاً آخر حول مدى جدية المنافسة ومدى قدرة الجماعة على تحصيل أفضل العائدات الممكنة من استغلال مرافقها الاقتصادية.

المسألة لا تتعلق هنا بمرافق هامشية، بل بمنشآت تشكل جزءاً أساسياً من الدورة الاقتصادية لمدينة إنزكان، المعروفة بديناميتها التجارية.

فمداخيل سوق الجملة ظلت، وفق المعطيات المقدمة، في حدود تتراوح بين 17 و18 مليون درهم سنوياً خلال سنوات عديدة، في حين تشير تقديرات واردة في الوثائق والمعطيات المتداولة إلى أن القيمة الحقيقية لحجم النشاط تلامس سقف 18 مليون درهم، وهو ما يستوجب، قبل إطلاق أي حكم، دراسة مالية ومحاسبية دقيقة ومستقلة.

ويطرح عدم تفعيل الموازين بالسوق، بحسب المعطيات المتوفرة، بدوره سؤالاً حول كيفية احتساب حجم النشاط والمداخيل الحقيقية، ومدى انعكاس ذلك على الموارد التي تستفيد منها الجماعة.

أما مداخيل المجزرة، فقد استقرت في حدود 2.4 مليون درهم، بينما لم تعكس مداخيل عدد من المرافق الأخرى، بحسب أصحاب هذه المعطيات، حجم الحركة التجارية التي تعرفها المدينة.

والأكثر إثارة للانتباه هو ملف المرابد، حيث تمتد صفقة التدبير المفوض لمدة عشر سنوات، مقابل مبلغ يناهز 1.3 مليون درهم سنوياً لفائدة الجماعة، في حين تشير تقديرات إلى أن رقم المداخيل المتحققة فعلياً من هذا النشاط قد يصل إلى حوالي 30 مليون درهم سنوياً.

وهنا تحديداً تبرز الحاجة إلى جواب واضح: هل حُدد المقابل المالي لاستغلال هذه المرافق بناءً على دراسات اقتصادية دقيقة ومستقلة، تأخذ بعين الاعتبار حجم رقم المعاملات والنشاط التجاري الفعلي؟

لكن الملف يكتسب حساسية أكبر مع دخوله المجال السياسي، فالشخص الذي يرتبط اسمه، وفق المعطيات والوثائق المتداولة، بالاستفادة من عدد من عمليات استغلال المرافق الجماعية، أصبح اليوم يقدم نفسه مرشحاً للانتخابات البرلمانية بدائرة إنزكان أيت ملول.

كما تثار، ضمن المعطيات نفسها، علاقة مصالح محتملة تتعلق بعضو بالمجلس الجماعي يترأس لجنة موضوعاتية، ويقال إنه مسجل لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بإحدى الشركات المستفيدة من هذه العمليات.

هذه الوقائع، تفرض طرح سؤال تضارب المصالح ووجود ريع واستغلال للنفود، ومدى احترام قواعد الحكامة والشفافية والفصل بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة.

فالحق في الاستثمار مكفول، والحق في الترشح للانتخابات حق سياسي لا ينبغي المساس به إلا وفق القانون. لكن عندما تجتمع المصالح الاقتصادية المرتبطة بمرافق عمومية مع الطموح للوصول إلى مواقع القرار السياسي، تصبح الحاجة إلى الشفافية أكبر، وتصبح الأسئلة المشروعة أكثر إلحاحاً.

السؤال الجوهري الذي ينبغي أن يفتح فيه النقاش ليس: من يترشح؟ ولا إلى أي حزب ينتمي؟ وإنما:هل تحصل جماعة إنزكان فعلاً على القيمة الاقتصادية الحقيقية لمرافقها؟

وإذا كانت التقديرات المتداولة حول رقم معاملات بعض هذه المرافق قريبة من الواقع، فلماذا ظلت مداخيل الجماعة محدودة مقارنة بحجم النشاط الاقتصادي الذي تحتضنه؟

وهل تمت مراجعة واجبات الاستغلال وفق دراسات محينة؟ وهل توجد آليات فعالة لمراقبة رقم المعاملات الحقيقي؟ وهل يتم تحيين شروط الاستغلال بما يضمن للجماعة الاستفادة العادلة من موارد ملكها العمومي؟

ثم، وهو السؤال الأكثر أهمية: كم من الموارد المالية التي كان يمكن أن تدخل خزينة جماعة إنزكان، وتتحول إلى مشاريع تنموية وخدمات لفائدة المواطنين، ضاعت بسبب اختيارات تدبيرية لم تعد تواكب التطور الحقيقي للنشاط الاقتصادي؟

إن فتح هذا الملف لا ينبغي أن يتحول إلى تصفية حسابات سياسية أو انتخابية، كما لا ينبغي أن يُفهم على أنه اعتراض على حق أي شخص في ممارسة التجارة أو الترشح للانتخابات.

وإذا كانت جميع الصفقات وطلبات العروض قد تمت في احترام تام للقانون، وكانت المقابلات المالية المحددة لاستغلال المرافق مبنية على دراسات اقتصادية موضوعية، فإن نشر الوثائق والمعطيات الكاملة سيضع حداً لكل التساؤلات.

أما إذا كشفت عمليات الافتحاص وجود اختلالات أو تضارب مصالح أو خسائر مالية للجماعة، فإن المسؤولية تقتضي ترتيب الآثار القانونية اللازمة، حماية للمال العام وصوناً لثقة المواطن في المؤسسات.

فالمرفق العمومي ليس ملكاً لشخص أو شركة أو حزب، وإنما هو ملك للجماعة وساكنتها.

والانتخابات بدورها ليست امتداداً للمصالح الاقتصادية، كما أن الوصول إلى المؤسسة التشريعية لا ينبغي أن يكون وسيلة لحماية مصالح خاصة أو توسيعها.

إن إنزكان تحتاج اليوم إلى نقاش صريح حول الحكامة، شفافية الصفقات، تدبير الملك الجماعي، وتضارب المصالح.

أما طرح الأسئلة حول المال العام، فلا ينبغي أن يتحول إلى خصومة شخصية أو إلى تهمة في حق من يطالب بالإجابة.

وكما يقول المثل المغربي: “المال السايب تيعلّم السرقة”.

ولهذا، فإن أفضل جواب عن كل هذه الأسئلة ليس الاتهام ولا النفي، وإنما فتح الوثائق أمام الرأي العام وإخضاع تدبير هذه المرافق لافتحاص مستقل وشفاف.

مقالات ذات صلة