عطل الملك وأسفاره
2025-08-29

نشر الصحافي مصطفى الفن، والذي يعد من أبرز الأقلام المغربية، المعروفة بتحليلها الرصين وتفاعلها الواعي مع قضايا المغرب الداخلية والخارجية، مقالا رصينا، على صفحته الرسمية على الفيسبوك، تفاعل فيه مع مقالات لوموند حول المغرب، ونعيد نشره بإذن كاتبه، تعميما للفائدة.

وفي ما يلي نص المقال كاملا
وأنا أتابع ما يكتبه، اليوم، جزء من الإعلام الأجنبي عن المغرب وعن ملك المغرب وعن مرض الملك وعن ولي العهد، تذكرت ذلك الجدل الذي اندلع، قبل سنوات، حول عطل الملك وأسفاره..
وهذه مناسبة لأقول أيضا إن هذا النقاش لا يخلو من بعض الإساءة المقصودة من “بعض التحامل” ومن “بعض الضغط” وحتى من “بعض الابتزاز” أيضا..
قضية الصحافيين الفرنسيين الكبيرين إيريك لوران وكاترين كراسيي اللذين أرادا ابتزاز الملك محمد السادس ليست سوى نموذج واحد من نماذج كثيرة..
والأصل في هذا “الجدل” هو نقاش قديم وليس طارئا جديدا يكتشفه المغاربة لأول مرة..
أما الجديد اليوم فهو أن أطرافا كثيرة دخلت على الخط في هذا النقاش حتى أن البعض ذهب بعيدا في “تكييف” الأسفار والعطل الملكية وكاد أن يقول ما يشبه هذا “الحمق”:
“إن الملك تخلى عن الحكم”..
وطبعا لا بد من التذكير هنا بأن الصحافة الإسبانية كانت أول من أثار علنا هذا النقاش “الملغوم” و”المسموم” حول الأسفار والعطل الملكية للعاهل المغربي..
حدث هذا عندما نشر الصحافي الإسباني إنياسيو سامبريرو مقالة بمتن “مضلل” قال فيه “إن ملك المغرب يقضي 45 في المائة من وقته في عطل خارج البلاد”.
وظني أن القارئ البسيط لهذا الكلام سينتابه الشك..
وربما قد يعتقد أيضا أن بلادنا تسير بلا حاكم وأن كل شيء يتوقف عن العمل عندما يسافر الملك..
كما أن القارئ لهذا الكلام سيخيل إليه أن ملكنا مشغول بقضايا أخرى غير قضايا الحكم والوطن ومشغول بهموم أخرى غير هموم الوطن.
اللافت أيضا أن مثل هذا “التضليل” الإعلامي يصدر عن صحافيين أجانب يقدمون أنفسهم كمتخصصين وكخبراء استراتيجيين في الشأن المغربي..
وقع كل هذا الذي وقع رغم أن البعض من هؤلاء الصحافيين الأجانب حاوروا الملك محمد السادس وألفوا كتبا حول المغرب وحول ملك المغرب..
ويبدو أن هؤلاء الصحافيين الأجانب المهتمين بوطننا وبشؤوننا الداخلية ما زالوا ربما لم يفهموا بعد أن المغرب الذي يكتبون عنه لا يمكن أن يعرفوه جيدا مثلما يعرفه صحافيوه المغاربة ومثقفوه المغاربة وكتابه المغاربة..
بل ومثلما يعرفه حتى مواطنوه المغاربة من بسطاء الشعب والناس..
والواقع أنه ولى ذلك الزمن “غير الجميل” الذي كانت فيه أخبار المغرب وأخبار صناع القرار في المغرب حكرا على وسائل إعلام أجنبية وحكرا على صحافيين أجانب معروفين لدى الخاص والعام..
نعم لقد ولى ذلك الزمن إلى غير رجعة..
لماذا؟
بكل بساطة لأنه صار اليوم بإمكان كل المغاربة أن يعرفوا “تقريبا” كل شيء عن ملكهم وعن صحة ملكهم وعن الأسرة الملكية وعن كبار المسؤولين المغاربة..
إذ لم تعد ثمة أسرار حصرية أو أسرار ذات حساسية خاصة عن بلدنا لا يمكن أن يعلم بها إلا الصحافيون الأجانب..
والحقيقة أن معظم ما تنشره الصحافة الأجنبية عن المغرب وعن الملكية في المغرب ليس سوى معلومات وأخبار كلها “مسلوخة” أو منقولة “حرفيا” من الصحافة المغربية..
وكل ما يفعله هذا الجزء من الصحافة الأجنبية هو أنه يلجأ إلى تقنية “إعادة التدوير والعجن” لكل ما هو مغربي قبل أن يخرجه في شكل “مقالات جنيسة” مع إضافة بعض التوابل التي تركز على وجه واحد من العملة..
ولعل ما نشرته الصحافة المغربية بمختلف عناوينها كصحف “ميديا تروست” (لوجورنال والصحيفة) ومعها “تيل كيل” و”نيشان” و”الأيام” والمساء و”كود” و”أخبار اليوم” حول الملك وحول الملكية في المغرب يفوق، على مستوى القيمة الإخبارية والتحليلية، ما نشرته جميع الصحف الأجنبية في هذا الموضوع..
لكن يبدو أن الهدف غير المعلن لبعض الصحافيين الأجانب كان ربما دائما هو هذه “الإساءة العمدية” المستمرة ضد بلد ينبغي أن يظل، في نظرهم، مجرد حديقة خلفية للبلدان التي استعمرته في وقت سابق..
وظني أن عطل الملك وأسفاره الخاصة ليست سرا من أسرار الدولة أو سبقا صحفيا نقرأه لأول مرة في الصحافة الأجنبية سواء كانت إسبانية أو غير إسبانية..
ولا أدل على ذلك من أن ملك البلاد نفسه لا يخفي أسفاره ولا عطله..
بل إن جلالته كثيرا ما يوثقها هو شخصيا عبر صور و”سيلفيات” يلتقطها مع أناس مغاربة وغير مغاربة ليتداولوها في صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي.
لكن هناك من يفضل، بنوايا غير بريئة، أن يمتهن “الخلط” وربما “التغليط” وينسى الأهم وهو أن “أسلوب” الملك محمد السادس في إدارة شؤون الحكم هو غير “أسلوب” والده الراحل الحسن الثاني..
و”الرجل هو الأسلوب”، بتعبير الحسن الثاني رحمه الله..
كما أن أسفار الملك محمد السادس وعطله ليست مناسبات للاستجمام والراحة والترفيه كما يتوهم البعض..
وأنا أستبعد أن يكون هؤلاء الصحافيون الأجانب المختصون في الشأن المغربي على غير علم بأن أكبر ملفات المغرب وجدت طريقها إلى الحل في مثل هذه الأسفار الملكية الخاصة..
فماذا يعني هذا كله؟
هذا معناه أن الملك يمارس وظيفة الحكم حتى مع وجود برتوكول متعب وصارم وغير متسامح مع أي مسؤول في هرم الدولة..
وبالتبع، هذا معناه أيضا أن وظيفة إدارة الحكم لا تعرف عطلا أو إجازات أو أعيادا أو أيام سبت أو أيام أحد التي قد يقطع فيها الملك صلته بمشاكل الوطن وإكراهاته وهمومه وتحدياته.
والثابت أيضا أن الملك ليس له توقيت إداري لأنه يشتغل في ما هو استراتيجي وفي ما هو “ماكرو” طول الوقت..
أقصد أن جلالته قد يعقد مجالس وزارية في أي وقت وحتى ليلة أعياد دينية إذا تبين أن المصلحة العليا للبلد تقتضي ذلك.
وقد حصل هذا أكثر من مرة..
ثم إن الملك، بحسب بعض التسريبات، لا يكتفي فقط بقراءة ما يقدم إليه من تقارير أمنية أو غير أمنية في هذا الملف أو ذاك..
بل قد يحدث أن يتصل هو شخصيا بوزير أو بمسؤول سام أو غير سام أو بمدير عام أو حتى بمسؤول جماعي ليسأل عن ملف أو ليعرف أين وصلت الأشغال في هذا المشروع أو ذاك.
بمعنى أن هذه القضية المتعلقة بأسفار الملك وعطله هي ليست قضية على الإطلاق، ولو أن البعض أرادها أن تكون كذلك لأسباب لا يعلمها إلا هو.
أضف إلى ذلك أن الملك في المغرب ليس موظفا أو شخصية عمومية بالمعنى الإداري التقليدي المتعارف عليه في أوربا وأمريكا حتى نتحدث عن عطله وأسفاره الخاصة أو العامة.
الملك في المغرب له وضع اعتباري ودستوري خاص لكن بثقل روحي وأخلاقي ورمزي وتحكيمي وديني أيضا..
والملك في المغرب هو مسؤول عن مواطنيه وعن بلده أينما كان زمنا ومكانا لأن الأمور بمقاصدها وليست بقشورها..
وهذه القشور هي التي تتحدث عنها بعض الصحافة الأجنبية..
لكنها تنسى أو تتناسى المقاصد وما تراه كإنجازات على الأرض من مؤسسات تشتغل ليل نهار وبلا توقف في بلد آمن ومطمئن..
طبعا دون أن يعني هذا أننا راضون أو أننا وصلنا إلى سدرة المنتهى في كل شيء لأن الكمال لله وحده..
مصطفى الفن
2025-08-29