عيروض يكتب.. الديمقراطية بين القنفذ والثعلب: من يحتكر الحقيقة في المشهد السياسي؟

ما يقع اليوم يجب أن يُقرأ كجرس إنذار حقيقي؛ فالتحدي لم يعد فقط في إنتاج الثروة، بل في ضمان عدالة أثرها الاجتماعي، وربط المسؤولية بالمحاسبة، ليس بمنطق مطاردة الساحرات، وإنما بمنطق إعادة بناء الثقة وحماية الاستقرار الاجتماعي.

هذه الخلاصة التي انتهيت إليها وأنا أتابع النقاش العمومي حول غلاء الأضاحي، تبدو اليوم مدخلاً ضرورياً لفهم ما يجري في المشهد السياسي والإعلامي الوطني. فالأزمة ليست فقط أزمة سياسات عمومية أو قدرة شرائية، بل أصبحت أيضاً أزمة إنتاج للمعنى، وأزمة في طريقة إدارة النقاش العمومي.

في الديمقراطيات الحية، يقوم المجال العام على التعدد والاختلاف وتنافس التأويلات. أما عندما يتحول النقاش إلى صوت واحد، وسردية واحدة، وخلاصة واحدة، فإننا نغادر فضاء الديمقراطية نحو فضاء آخر أكثر خطورة: فضاء المونولوج.

فالنقاش هو روح الديمقراطية، أما المونولوج فهو خطرها الصامت.

ومن هنا يبرز سؤال بسيط في ظاهره: من هو المحلل السياسي و الاقتصادي ؟ ومن هو الصحفي الاستقصائي ؟

هل هو ذلك الذي يساعد المواطن على فهم تعقيدات الواقع وتعدد أبعاده؟ أم هو الذي يقدم نفسه باعتباره مالكاً للحقيقة النهائية، يوزع الأحكام الجاهزة، ويصنف الفاعلين السياسيين بين صالح وطالح، وبين من يحق له النجاح ومن يجب أن يبقى خارج دائرة التأثير؟

لقد أصبحنا نعيش زمناً يتقدم فيه بعض المحللين إلى واجهة المشهد ليس لتفسير السياسة، بل للحلول محلها. يتحول التحليل أحياناً إلى نوع من الوصاية على الرأي العام، ويصبح الخبير لاعباً سياسياً أكثر منه مراقباً أو مفسراً. بل إن بعضهم لا يكتفي بقراءة الأحداث، وإنما يسعى إلى توجيهها وتأطيرها وصناعة الانطباعات حولها.

وفي خضم هذا المناخ، أعلم أن كثيرين سيحاولون وضع هذه الكلمات في خانة الدفاع عن السيدة فاطمة الزهراء المنصوري. وأعرف مسبقاً أن بعض أصحاب اليقينيات الجاهزة سيعتبرون أي محاولة لطرح الأسئلة أو تفكيك السرديات السائدة نوعاً من الاصطفاف السياسي أو المرافعة عن الأشخاص.

لكن الحقيقة أن الأمر لا يتعلق بالأشخاص بقدر ما يتعلق بالمبادئ.

فلماذا سأدافع عن فاطمة الزهراء المنصوري تحديداً؟

هل لأنها وعدت المغاربة بالمغرب الأخضر ثم اكتشفوا أن الواقع شيء آخر؟

هل لأنها وعدت المغاربة بأربعين مليون كبش؟

هل لأنها رفعت شعار “صوتكم فرصتكم لمحاربة الفساد” ثم قضت سنوات في تدبير الشأن العام دون أن تحقق ما وعدت به؟

طبعاً لا.

بل إن المفارقة أن كثيراً ممن التزموا الصمت أمام كل تلك الشعارات والأوهام السياسية، أصبحوا اليوم أكثر الناس حماساً للرقابة والمحاسبة عندما يتعلق الأمر بالبام أو بقياداته.

لذلك فالقضية بالنسبة لي ليست قضية فاطمة الزهراء المنصوري، ولا قضية شخص بعينه. القضية هي حق أي فاعل سياسي في أن يُحاكم على حصيلته وبرنامجه ومواقفه، لا على الصورة التي يرسمها له خصومه، ولا على السكريبتات التي تُكتب له في الغرف المظلمة، ولا على الأحكام المسبقة التي تُصنع قبل الوقائع.

إن النقد حق، بل ضرورة. لكن الفرق كبير بين النقد والاستهداف، وبين التحليل والتحريض، وبين الصحافة والتعبئة السياسية المقنعة.

ومن هنا يظل السؤال قائماً: لماذا يثير حزب الأصالة والمعاصرة كل هذا القدر من الانزعاج؟ ولماذا يتحول كل نجاح محتمل أو دينامية تنظيمية أو تقدم سياسي يحققه إلى موضوع تشكيك واستنفار؟

هل يتعلق الأمر بخلاف سياسي طبيعي؟ أم بصراع مشاريع ورؤى؟ أم بمقاومة صامتة لكل محاولة لإعادة تشكيل التوازنات السياسية خارج القوالب التقليدية التي ألفها البعض لعقود؟

لا أملك جواباً نهائياً، وربما لا يملكه أحد. لكن ما يقلقني أكثر من الإجابات الجاهزة هو الثقة المفرطة التي أصبحنا نمنحها لمن يقدمون أنفسهم باعتبارهم حراس الحقيقة السياسية.

وهنا أستحضر الفيلسوف إيزايا برلين الذي ميز بين “القنفذ” و”الثعلب”. فالقنفذ يفسر العالم كله من خلال فكرة واحدة كبرى، بينما يدرك الثعلب أن الحقيقة موزعة بين زوايا متعددة، وأن الواقع أعقد من أن يُختزل في نظرية واحدة أو يقين واحد.

ولعل أزمة جزء من الفضاء العام اليوم تكمن في هيمنة القنافذ. أولئك الذين يمتلكون جواباً واحداً لكل الأسئلة، وتفسيراً واحداً لكل الوقائع، وحقيقة واحدة لا تقبل النقاش. بينما تحتاج الديمقراطية إلى الثعالب؛ إلى العقول التي تشك وتسائل وتراجع وتقبل تعقيد الواقع.

فحين يصبح النقاش العمومي مجرد ترديد ليقينيات جاهزة، تموت السياسة. وحين تختفي الأسئلة لصالح الأجوبة النهائية، يضعف العقل النقدي. أما الديمقراطية، فلا تزدهر إلا حيث يوجد الحوار والاختلاف والقدرة الدائمة على مراجعة المسلمات.

لذلك، قبل أن نصدق كل ما يقال على الشاشات، ربما علينا أن نتذكر أن أخطر ما يمكن أن يصيب الديمقراطية ليس تعدد الأصوات، بل ادعاء امتلاك الصوت الوحيد.

هشام عيروض

عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة

مقالات ذات صلة