حين تكذب الأرقام وتصدق الجيوب : أزمة الأضحية تكشف عمق الشرخ الاجتماعي
تثبت الوقائع يوما بعد يوم أن القرارات الترقيعية لا تبني اقتصادا ولا تحمي سلما اجتماعيا. السنة الماضية، حين تم إلغاء العيد، لم يكن ذلك حلا حقيقيا للمشكل، بل كان مجرد تأجيل للأزمة وترحيل لشرارتها إلى هذه السنة. لقد كان واضحا منذ البداية أن أسباب العجز ليست ظرفية عابرة، ولا مرتبطة حصريا بالجفاف أو بنقص القطيع، كما حاول الخطاب الرسمي المعياري أن يروج له ليبرر عجز مقارباته.
لقد كانت الدولة تعرف جيدا، ومن خلال مؤشراتها الرسمية، أن التضخم بلغ مستويات قاسية غير مسبوقة، وأن القدرة الشرائية للمواطنين كادت تلامس الحضيض. ومع ذلك، أصرت الدوائر الحكومية على الاستمرار في تفسير الأزمة بعوامل طبيعية محضة، ملقية باللوم كله على الجفاف وقلة الماشية. لكن ما وقع هذه السنة كشف بوضوح عورة هذا التفسير ومحدوديته، بعد أن عرفت البلاد تساقطات مطرية مهمة، بل وقياسية في بعض المناطق، وتم الحديث رسميا عن إحصاء يقارب 40 مليون رأس من الماشية.
المفارقة الصادمة هنا هي أنه رغم المطر ورغم وفرة القطيع، وجد المواطن البسيط نفسه عاجزا تماما عن شراء أضحية العيد. هذا التحول الخطير يعني شيئا واحدا: المشكل لم يعد مشكل ندرة أو عرض، بل هو مشكل كلفة معيشة، وارتفاع جنوني في الأسعار، وانهيار كامل للقدرة الشرائية.
حين يصبح القطيع متوفرا، والمطر موجودا، والأسواق ممتلئة عن آخرها، لكن الأسر تقف أمامها عاجزة لا تجد ما تشتري به، فهنا يجب على صناع القرار الاعتراف بأن الأزمة أعمق بكثير من مجرد سنوات جفاف؛ إنها أزمة دخل، وأزمة أسعار، وأزمة اختيارات اقتصادية كلية لا تعكس الأثر المباشر على المعيش اليومي للمواطن.
بدل الاكتفاء بتبريرات جاهزة ومستهلكة، من حق المواطنين اليوم أن يخرج وزير الميزانية بجرأة ليشرح لهم بوضوح لغة الأرقام الحقيقية، وماذا يحدث فعلا في كواليس الاقتصاد الوطني. فمن غير المقبول أن يبقى النقاش العمومي محصورا وموجها نحو صور الملاعب، والتباهي بأحسن ملعب في إفريقيا، والحديث المستفيض عن إنجازات شكلية وبنيات تحتية كبرى، بينما المواطن المسحوق لا يستطيع توفير الحد الأدنى لتأدية أبسط الطقوس الدينية والاجتماعية التي تمس هويته واستقراره النفسي.
إن المشكل الحقيقي لم يكن يوما في عدد رؤوس الماشية، بل في الدرهم المفقود في جيوب الناس. حين تكون الأضحية معروضة بكثرة في السوق، لكنها تظل خارج القدرة المادية لأغلب الأسر، فذلك إعلان صريح بأن الأزمة انتقلت من أزمة عرض وطبيعة إلى أزمة عدالة اجتماعية صارخة وتوزيع غير عادل لثمار التنمية.



