الحكم الذاتي بين الواقعية السياسية وحلم الوحدة الأفريقية

نظمت بشراكة ثنائية بين الشبكة الأفريقية للخبراء الدستوريين والشبكة الدولية للباحثين ندوة دولية حول موضوع “الحكم الذاتي ورهان الوحدة في أفريقيا”.

الفعالية العلمية عرفت مشاركة خبراء من المغرب وهم الدكتور عبد الفتاح البلعمشي أستاذ العلاقات الدولية بجامعة القاضي عياض بمراكش ورئيس مركز الدبلوماسية الموازية وحوار الحضارات والدكتور رشيد باجي أستاذ العلاقات الدولية بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء.
ومن السودان الدكتور سامي عبد الحليم سعيد خبير دستوري ونائب رئيس الشبكة الافريقية للخبراء الدستوريين. ومن العراق الأستاذ فراس طارق مكية خبير دستوري، وقد ترأس أطوار الفعالية الدكتور بون باهي خبير دستوري وأستاذ العلوم السياسية بموريتانيا.
وقد استهلت الندوة الدولية بكلمات افتتاحية من الدكتور سامي سعيد نائب رئيس الشبكة الافريقية للخبراء الدستوريين، والذي وقف عند أهمية هكذا أنشطة علمية، والتي تساهم من وجهة نظره في تعزيز النقاش العلمي في مواضيع ذات راهنية بين عموم الباحثين والمهتمين، وخاصة ذات الارتباط بالشأن الأفريقي والإنساني.
الدكتور سعيد أكد على أن الاشتغال مع الشبكة الدولية للباحثين شكل فرصة سانحة لتقوية أواصر التشبيك وسبل التعاون الأكاديمي المشترك.
من جهة أخرى أكد الدكتور بدر بوخلوف أستاذ القانون العام بجامعة مولاي إسماعيل بمكناس والرئيس المؤسس للشبكة الدولية للباحثين على أن تنزيل هذه الفعالية على أرض الواقع لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة مجهود جماعي كبير ساهمت فيه الشبكتان على مدار سلسلة من اللقاءات والاجتماعات القبلية، وهو ما أدى إلى اختيار هذا الموضوع الراهني والآني المرتبط بالحكم الذاتي في ظل الوحدة والسلام في أفريقيا، وبالخصوص في المغرب الذي ما فتئ يبحث عن حلول واقعية ومتفق عليها من المنتظم الدولي وتراعي الشرعية الأممية في قضية وحدته الترابية. وفي ذات الصدد أكد بوخلوف أن الشبكة الدولية للباحثين على أتم الاستعداد لكل تعاون جدي ومسؤول من شأنه الارتقاء بالمعرفة العلمية، وجعلها في خدمة القضايا الإنسانية.

المداخلات العلمية قاربت موضوع الندوة من زوايا ومنطلقات متعددة. إذ تناول الدكتور رشيد باجي عرضاً حول الحكم الذاتي كآلية لإدارة التعددية العرقية وتعزيز الوحدة الإقليمية في أفريقيا، مقارناً تجارب المغرب ونيجيريا وإثيوبيا.
وناقش باجي مفهوم الحكم الذاتي كآلية لتنفيذ تقرير المصير وإدارة التنوع العرقي والثقافي المتعدد، لا سيما في سياق النزاع حول مغربية الصحراء. وقارن بين نماذج مختلفة للحكم الذاتي، بما في ذلك تلك الموجودة في إثيوبيا ونيجيريا، مبرزاً كيف يختلف الحكم الذاتي عن الفيدرالية، ويمكن أن يكون بمثابة حل وسط بين الانفصال والاندماج الكامل في دولة مركزية. ليؤكد باجي أن الحكم الذاتي هو مفهوم متعدد التخصصات، يمكن تطبيقه في مختلف مجالات القانون العام ويعمل كأداة لحل النزاعات وإدارة التنوع في المجتمعات المتنوعة.

الدكتور عبد الفتاح البلعمشي وقف عند نماذج الحكم الذاتي المختلفة، بما في ذلك المراجع الدستورية والحالات القائمة على النزاعات، مستخدماً أمثلة من جميع أنحاء العالم بما في ذلك إسبانيا وكيبيك وأفريقيا. وركز بصفة خاصة على النزاع في الصحراء، مشيراً إلى التطورات الأخيرة بما فيها المفاوضات السرية بين الأطراف واتخاذ قرار مجلس الأمن 19/77 الذي وصفه بأنه فرصة تاريخية للسلام. وأكد البلعمشي ضرورة معالجة المسائل العملية المتعلقة بالحكم والانتخابات في ظل التنزيل المستقبلي للحكم الذاتي، مع تسليط الضوء على دور الباحثين في المساهمة في تحقيق اختراقات دبلوماسية في المنطقة من شأنها الدفع بحلحلة هذا النزاع لصالح الطرح المغربي والذي عمر طويلا.

قدم الدكتور سامي من جانبه تحليلاً شاملاً لنماذج الحكم الذاتي، مستفيداً من أمثلة دولية تشمل جزر آلاند وجنوب إيطاليا وجرينلاند وتنزانيا لتوضيح النهج المختلف لمنح الحكم الذاتي. وناقش نجاحات وإخفاقات هذه النماذج، مؤكداً أن الحكم الذاتي الناجح يتطلب إرادة سياسية قوية وأطر دستورية مناسبة ومراعاة الوحدة الوطنية. واختتم الدكتور سامي حديثه بتسليط الضوء على أهمية الفترات الانتقالية الطويلة والحوار الوطني الشامل في منع الانفصال، مستخدماً إريتريا والسودان كمثالين، حيث أدت الفترات الانتقالية القصيرة إلى الانفصال.

من جانب آخر عرج الخبير الدستوري طارق مكية على التجربة العراقية، حيث بدأ مداخلته بشرح التركيبة الديموغرافية للعراق والتحديات التاريخية مع الأقلية الكردية.
الأستاذ طارق وقف عند الوضع الجيوسياسي التاريخي والحالي للأكراد في العراق، مبرزاً استقلالهم الثقافي والإداري داخل الدولة العراقية. وأوضح كيف حافظ الأكراد على الحقوق الثقافية والحكم المحلي، لكنهم واجهوا تحديات مع الديكتاتوريات العسكرية والأنظمة القومية التي أدت إلى نزاعات مسلحة. وأشار إلى أن الدستور العراقي لعام 2005 ينص على نظام اتحادي يتمتع بحكم ذاتي كبير لإقليم كردستان، فإنه لا يزال ترتيباً كونفدرالياً وليس ترتيباً فدرالياً بالكامل. وخلص إلى أنه إذا كانت الحلول السياسية كالفيدرالية والكونفدرالية قد عالجت التوترات مؤقتًا، فإن التنمية الاقتصادية الحقيقية واللامركزية الإدارية والحقوق الثقافية ضرورية للاستقرار طويل الأجل، مما يشير إلى أن الانفصال قد يكون حتميًا على المدى القريب أو المتوسط.

ليفتح بعد ذلك المجال لباب المناقشة وطرح الأسئلة من الحاضرين على الأساتذة المتدخلين وقد عرفت الفعالية مشاركة الخبير الدستوري اليمني الدكتور عباس زيد والذي وقف عند تحديات الفيدرالية والحكم الذاتي في اليمن، مسلطاً الضوء على قضايا المركزية المفرطة وعدم الانتقال السلمي للسلطة والتهميش السياسي والاقتصادي. وعزى ارتفاع المطالبات بالحكم الذاتي والانفصال إلى عوامل مثل المركزية والفساد والتدخلات الخارجية. وأكد الدكتور عباس أن الشفافية واللامركزية السياسية هما حلان حاسمان لمعالجة هذه القضايا ومنع المزيد من الصراع.
الدكتور عباس زيد، عضو لجنة صياغة الدستور اليمني، ناقش أيضا أسباب المطالبة بالحكم الذاتي في اليمن كمقدمة للانفصال المحتمل. وأثار أسئلة حول نماذج الاتحاد الكونفدرالي وتطبيقها على حالات مثل السودان ودارفور، مسلطاً الضوء على تعقيدات الاختلافات العرقية والثقافية في هذه المناطق.
وأشار أحمد إلى أن منح السلطات المالية والاقتصادية لإدارة الموارد يمكن أن يساعد في الحفاظ على سيادة الدولة ومنع الانفصال. وفي معرض تفاعله مع النقاش أكد الخبير الدولي الدكتور عبد الفتاح أهمية إيجاد حل للصراعات التي طال أمدها من خلال التفاوض والحوكمة، حيث تلعب العوامل الداخلية والدولية دوراً في التحديات التي تواجه الدول.

وفي سياق متصل قدم البروفيسور فراس حلاً من ثلاث نقاط لمعالجة النزعات الانفصالية والتحديات السياسية، مؤكداً على أهمية الحريات الثقافية واللامركزية الإدارية والتنمية الاقتصادية. وقال إن الحكم الذاتي الكونفدرالي يمكن أن يعزز النزعات الانفصالية واقترح التركيز على اللامركزية والتنمية بدلاً من ذلك. وفي ذات الصدد ناقش عبد الفتاح وآخرون المخاطر والقيود المحتملة للحلول الكونفدرالية، مبرزين الحاجة إلى التوازن بين تقرير المصير والحفاظ على السلام المدني. وانتهت المحادثة بالتعبير عن الامتنان للمشاركين والالتزام بمواصلة معالجة هذه المواضيع الهامة في المناقشات المستقبلية.

مقالات ذات صلة