لماذا يربك حضور لقجع داخل “البام” خصومه؟.. الوزير يختار الرد من قلب المعركة السياسية

 

لم يكن ظهور فوزي لقجع، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة والوزير المنتدب المكلف بالميزانية، في لقاء حزبي بجهة بني ملال–خنيفرة مجرد مشاركة عادية في نشاط حزبي، بل حمل في توقيته ومضامينه رسائل سياسية بدت موجهة إلى خصوم الحزب، في سياق تتجه فيه الخريطة السياسية نحو مزيد من الاستقطاب مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة.

فلقجع، الذي اختار خلال الفترة الأخيرة الاقتراب أكثر من العمل الحزبي داخل “البام”، بات يمثل إضافة وازنة إلى الحزب، ليس فقط بالنظر إلى موقعه الحكومي ومسؤوليته في تدبير المالية العمومية، وإنما أيضاً بسبب حضوره في ملفات اقتصادية واجتماعية تقع في صلب اهتمام الناخبين.

ولذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه سياسيا هو: لماذا يثير حضور لقجع داخل الأصالة والمعاصرة كل هذا الانتباه والقلق لدى خصوم الحزب؟

الجواب يرتبط، في جانب منه، بكون لقجع لا يدخل إلى المشهد الحزبي من موقع سياسي تقليدي، وإنما يأتي محملا برصيد مؤسساتي وحضور في ملفات اقتصادية دقيقة، فضلا عن شبكة من العلاقات التي راكمها خلال سنوات من العمل داخل المؤسسات.

ومن هذه الزاوية، فإن انخراط لقجع في الحياة الحزبية داخل “البام” يمكن أن يمنح الحزب وجها إضافيا قادرا على مخاطبة فئات واسعة من الناخبين، خصوصا في ظل تحول الملفات الاقتصادية والاجتماعية إلى محور أساسي في النقاش الانتخابي.

وفي كلمته الأخيرة، بدا لقجع واعيا بهذه المعادلة. فبدل الانجرار إلى الرد المباشر على التسجيل الصوتي المنسوب إلى رشيد الطالبي العلمي، اختار أن يرفع مستوى النقاش، واضعا القدرة الشرائية والأسعار والسياسات العمومية في قلب خطابه.

وحين قال: “ما يمكنش نخليو المغاربة يمشيو يشريو اللحم بـ150 ولا 160 درهم”، كان يعيد توجيه البوصلة من صراع النخب الحزبية إلى ما يهم المواطن في حياته اليومية: الأسعار، الدخل، وكلفة المعيشة.

هذه الطريقة في الرد تمنح خطاب لقجع بعدا سياسيا مختلفا؛ فهو لم يدخل في سجال شخصي مع الطالبي العلمي، ولم يحول المنصة الحزبية إلى فضاء لتبادل الاتهامات، بل حاول تقديم معركة “البام” باعتبارها معركة حول السياسات والنتائج.

وفي المقابل، حمل حديثه عن أن الحزب “بعيد كل البعد عن ثقافة توزيع الغنائم بدون استحقاقها” رسالة أخرى، خصوصاً في ظل الجدل المتصاعد حول استقطاب المرشحين والمنتخبين، وهي رسالة أراد من خلالها التأكيد على أن الأصالة والمعاصرة يريد أن يقدم نفسه باعتباره حزبا يبحث عن الكفاءة والاستحقاق، وليس مجرد تجميع للأسماء استعدادا للاستحقاق الانتخابي.

وإذا كان التسجيل المنسوب إلى الطالبي العلمي قد فتح نقاشا واسعا حول قوة “البام” في استقطاب المرشحين والمنتخبين، فإن دخول لقجع بقوة إلى واجهة العمل الحزبي يضيف عنصرا جديدا إلى معادلة المنافسة.

فالرجل يمتلك، بحكم موقعه الحكومي، معرفة دقيقة بملفات المالية العمومية والاقتصاد، وهي ملفات ستشكل لا محالة جزءا أساسيا من النقاش الانتخابي المقبل. كما أن حضوره داخل “البام” يمنح الحزب إمكانية مخاطبة الناخب من زاوية مختلفة، تقوم على تقديم حصيلة وتفسير الخيارات الاقتصادية والدفاع عن السياسات العمومية.

ومن هنا يمكن فهم سبب حساسية بعض الخصوم تجاه هذا الحضور. فالمنافسة الانتخابية لا تدور فقط حول عدد المرشحين أو حجم التنظيمات المحلية، وإنما أيضا حول قدرة الأحزاب على استقطاب شخصيات تمتلك حضورا وطنياً وقادرة على إنتاج خطاب سياسي يتجاوز الحدود التنظيمية الضيقة.

ولقجع، بهذا المعنى، لا يمثل مجرد اسم جديد داخل المكتب السياسي لـ“البام”، بل يمكن أن يشكل أحد عناصر القوة في معركة الحزب المقبلة، خصوصا إذا نجح في تحويل حضوره الحكومي وخبرته في تدبير الملفات الاقتصادية إلى رصيد سياسي وانتخابي.

كما أن اختيار لقجع الرد من داخل المؤسسات الحزبية، وبخطاب يركز على القدرة الشرائية والأسعار، يعكس محاولة واضحة لإعادة ترتيب أولويات النقاش السياسي. فبدل أن يبقى الصراع محصوراً في من استقطب هذا المنتخب أو ذاك، يطرح لقجع سؤالا أكثر صعوبة على جميع الأحزاب: ماذا ستقدم للمواطن عندما تبدأ المنافسة على أساس الحصيلة والبرامج؟

وهنا تحديدا تكمن أهمية حضوره داخل “البام”. فكلما اقترب موعد الانتخابات، ستصبح الأحزاب مطالبة بإقناع الناخبين ليس فقط بامتلاكها شبكة تنظيمية قوية، وإنما بامتلاكها أيضا كفاءات قادرة على الدفاع عن اختياراتها وتفسيرها أمام الرأي العام.

وبينما يستمر السجال بين “البام” و“الأحرار”، يبدو أن فوزي لقجع اختار موقعا واضحا داخل هذه المعركة: الدفاع عن حزبه، والاشتباك مع خصومه دون الوقوف طويلاً عند تفاصيل السجال، مع محاولة نقل النقاش إلى الملفات التي تمس المواطن مباشرة.

ولعل هذا تحديدا ما يجعل حضور لقجع داخل الأصالة والمعاصرة مثار اهتمام متزايد؛ فالحزب الذي كان يُنظر إليه أساسا من زاوية قوته التنظيمية والانتخابية، أصبح يمتلك أيضا شخصية حكومية ذات حضور قوي في الملفات الاقتصادية، وهو ما قد يرفع سقف المنافسة ويجعل معركة الاستحقاقات المقبلة أكثر تعقيدا بالنسبة إلى خصومه.

في النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو لماذا اختار لقجع الانخراط بقوة في “البام”، وإنما لماذا يخشى خصوم الحزب من أن يتحول هذا الحضور إلى عنصر قوة انتخابية وسياسية إضافية؟

الإجابة ستظل مرتبطة بما سيحدث خلال الأشهر المقبلة، وبقدرة لقجع والحزب على تحويل هذا الحضور السياسي إلى خطاب مقنع، وحصيلة قابلة للدفاع، وتنظيم انتخابي قادر على ترجمة القوة السياسية إلى أصوات في صناديق الاقتراع.

مقالات ذات صلة