«جاب الديب من ديلو»… حين يصبح رجل واحد هو الجواب الوحيد
في نقد منطق «السوبر ستار» في السياسة المغربية
هناك عبارات ساخرة تختصر أحياناً ما تعجز عنه صفحات طويلة من التحليل السياسي. وأستعير هنا واحدة من عالم أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام: «حيجيب الديب من ديله».
وقوة العبارة ليست في «الديب» نفسه، ولا في تعيين من يُقصد به. إنها في المبالغة الساخرة في القدرة على إحضار الديب الصعب الإحضار، بل إحضاره من ذيله؛ أي في صناعة صورة من يستطيع أن يفعل الأصعب، وأكثر من الأصعب، وبطريقة بسيطة لا تخطر على البال، بمعنى أن يحقق ما يبدو مستحيلاً.
تغيّر الزمن، وتغيّر السياق، وتغيّر الأشخاص. لكن شيئاً في هذه الثقافة السياسية يبدو عصياً على التغيير: كلما ضعفت المؤسسات بحثنا عن الرجل القوي؛ وكلما عجزت الأحزاب عن إنتاج القيادة بحثت عنها خارج أسوارها؛ وكلما تعقّدت المشكلات ازداد إغراء تقديم «رجل المرحلة» باعتباره الحل الجاهز.
وهذا بالضبط ما يستحق التأمل في الظاهرة التي تشكّلت حول التحاق فوزي لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة، أو التحاق الحزب بالوزير فوزي لقجع.
فالرجل كسياسي لم يخض الانتخابات بعد، ولم يقدّم للمغاربة برنامجاً وطنياً متكاملاً يطلب على أساسه أصواتهم. ومع ذلك هناك كثير من اللقجعيين من يتحدث منذ الآن عن الأغلبية، ومن يحسم في موقع الحزب المقبل، ومن يضعه في رئاسة الحكومة، ومن يعيد ترتيب الخريطة السياسية لما بعد الاقتراع.
أي أننا، مرة أخرى، أمام سيناريو نطلب فيه من سوبر ستار لا مثيل له أن «يجيب الديب من ديله».
مواطن بسيط… بعد سنة من التفاوض
وفي أول خروج حزبي له بأكادير، قال فوزي لقجع إنه التحق بحزب الأصالة والمعاصرة «مواطناً بسيطاً، بكل تواضع»، وإنه يمارس حقاً دستورياً، وإنه لم يأت بحثاً عن منصب.
وفي اللقاء نفسه، صرّح عضو المكتب السياسي المكلف بقطب التنظيم بأن هذا الالتحاق كان محل نقاش داخل قيادة الحزب منذ أكثر من سنة، وأن الاتصالات انطلقت بمبادرة من المنسقة الوطنية.
التصريحان صدرا في القاعة نفسها، وفي اليوم نفسه.
ولا أستنتج من ذلك أن أحداً كذب. فالرجل كان في موقع حكومي يبيح له عدم الإفصاح عن مفاوضاته، كما أن الحزب من حقه أن يتفاوض في السرية. لكنني أستنتج شيئاً آخر، وهو الأهم: أن مساراً سياسياً، حسب التصريح نفسه، بُني على مدى سنة كاملة، ثم عُرض على المغاربة في يوم واحد وبإخراج مركّب.
واستنتجنا منه أن الرأي العام لم يكن طرفاً في القرار، بل كان جمهوراً للعرض.
ومن جرى التفاوض بشأنه سنة على مستوى المكتب السياسي، ثم أُلحق بالمكتب يوم انضمامه إلى الحزب، لم يكن مشهد دخوله مشهد مواطن بسيط. وهذه ملاحظة على الوضع لا على الرجل.
كما أن أول ظهور حزبي رسمي لفوزي لقجع في معقل رئيس الحكومة بأكادير، ثم انتقاله إلى تيزنيت لدعم مرشحي الحزب، لم يكن محايداً. وقبل ذلك بأيام، كان رئيس الحكومة قد ردّ من الداخلة حيث رشّح حزب الأصالة والمعاصرة رئيس الجهة. الجغرافيا وحدها ترسم خريطة المعركة، ولا تحتاج إلى تصريح.
«السوبر ستار» ليس شخصاً، إنه منطق
لكن ما يقلقني ليس ما قاله لقجع. إنه ما يقوله عنه الآخرون، وخصوصاً اللقجعيين.
فالانتخابات لم تجر بعد. والمغاربة لم يصوّتوا بعد. والحملة لم تبدأ بعد. ومع ذلك تشكّل حول الرجل خطاب لا يقدّمه وافداً جديداً على العمل الحزبي، بل «رجل المرحلة»: من سيحقق الأغلبية، ومن سينظّف الحزب، ومن سيقود الحكومة المقبلة.
وهذا في الحقيقة ليس تزكية لشخص بقدر ما هو إعلان إفلاس مؤسسة.
لأن الحزب الذي يُقدَّم إليه وافد جديد باعتباره الحل الوحيد، يكون قد قيل عنه، دون أن ينتبه أحد، إنه بذاته لا يرقى إلى مستوى المنافسة السياسية، وإن سنواته وهياكله ومؤتمراته ومناضليه وبرلمانييه ووزراءه لم تُنتج قيادة من داخله، وإن الحل كان لا بد أن يأتي من الخارج.
ولا يُعالَج ضعف حزب باستيراد رجل. الحزب الذي يحتاج إلى نجم لا يحتاج إلى نجم؛ يحتاج إلى مؤتمر حقيقي، وإلى ديمقراطية داخلية، وإلى تأطير، وإلى سنوات من إنتاج الكوادر. لكن هذه أشياء بطيئة ومكلفة وغير قابلة للتصوير. أما الاسم الجاهز فيُختصر في صورة واحدة.
بل إن أخطر ما يمكن أن يقال عن سياسي هو أنه لا بديل عنه. لأن الديمقراطية كلها قائمة على وجود بديل. فحين يصبح رجل واحد هو الجواب الوحيد، لا نكون قد وجدنا الحل؛ نكون قد ألغينا السؤال.
وقد عرف المغرب هذا المنطق أكثر من مرة، بأسماء مختلفة وفي أحزاب مختلفة. تظهر الشخصية القوية، فيلتف حولها الجميع، وتكبر المؤسسة من حولها، ثم يرحل الرجل أو يضعف، فتبدأ الهجرة في الاتجاه المعاكس، ثم ننتظر الرجل القوي التالي. وفي كل دورة نسمي الأمر تجديداً، وهو في الحقيقة إعادة إنتاج.
حين يُطلب منّا أن نصدّق الرواية مرتين
قبل شهور، كان الجواب واضحاً: صرّح لقجع أنه لا ينتمي إلى أي حزب.
واليوم، بعد مدة قليلة، أصبح الرجل عضواً في حزب وعضواً في مكتبه السياسي، يوزّع الأدوار ويوجّه الدفة. وفي اليوم نفسه، يخبرنا قيادي في الحزب أن النقاش حول هذا الالتحاق دام أكثر من سنة.
بل أكثر من ذلك، صرّح لقجع أيضاً أنه لم يأت بحثاً عن منصب. لكن في المقابل، يتكفّل اللقجعيون بالحديث عنه لا باعتباره مرشحاً محتملاً لرئاسة الحكومة، بل باعتباره الخيار الوحيد.
ولستُ أناقش نيّة أحد؛ فالنوايا لا سبيل إلى إثباتها، ولا شأن للتحليل السياسي بها. بل أناقش شيئاً آخر تماماً: ما الذي يُطلب منّا أن نصدّقه في كل مرحلة؟
فالمشكلة ليست أن يغيّر سياسي موقفه؛ هذا يقع في كل الديمقراطيات، ولا عيب فيه، بل قد يكون علامة نضج. المشكلة أن يُطلب منّا، في كل محطة، أن نتعامل مع الرواية الجديدة وكأن ما قبلها لم يكن، وأن نبدأ من الصفر كلما تغيّر المشهد.
وحين تُدار عملية سياسية على هذا النحو، فإنها لا تمسّ الديمقراطية وحدها.
بل تمسّ المنافسين، إذ يُطلب منهم أن يخوضوا سباقاً أُعلنت نتيجته قبل انطلاقه.
وتمسّ الأحزاب، إذ يُطلب منها أن تكون مؤسسات بينما يُدار المشهد بمنطق الأسماء.
وتمسّ المواطن قبل الجميع، لأنها تفترض فيه قصر الذاكرة: أن ينسى ما قيل له قبل أشهر، وأن يتلقى كل رواية جديدة باعتبارها الرواية الأولى.
وما هكذا تُدار السياسة.
التعيين لا يُصوَّت عليه
وهنا سؤال لا ينبغي الهروب منه: هل تكفي شرعية الإنجاز لصناعة الشرعية السياسية؟ الجواب الواضح: لا.
فالمسؤولية العمومية شرف وأمانة، والثقة التي تُمنح لمسؤول في مؤسسات الدولة لها قيمتها ومعناها. لكنها من طبيعة مختلفة تماماً عن الشرعية التي يمنحها الاقتراع. الأولى تفويض للتدبير، والثانية تفويض للاختيار. الأولى تُقيَّم بالنتيجة، والثانية تُقيَّم بالبرنامج ثم بالمحاسبة.
ولذلك، منذ اللحظة التي يدخل فيها مسؤول ناجح إلى الحلبة الحزبية، تبدأ مباراة أخرى بقواعد أخرى.
لا يعود السؤال: ما المسؤوليات التي تحمّلها؟ بل: ماذا يقترح على المغاربة حتى ينتخبوه؟
ولا يعود السؤال: ماذا أنجز في الميزانية أو في المجال الرياضي؟ بل: ما اختياراته الاقتصادية والاجتماعية؟ وكيف يريد توزيع كلفة الإصلاح وثماره؟ وما تصوره للعدالة الاجتماعية والمجالية؟ وبأي موارد؟
والسمعة والشعبية والخبرة أشياء ثمينة. لكن لا واحدة منها تمنح أصوات المواطنين بالنيابة عنهم.
وصندوق الاقتراع ليس حفل تكريم لمسار مهني ناجح.
من يُعدّ الميزانية يتحمّل أثرها
وثمة سؤال لا يمكن لأي نقاش جدي أن يتجاوزه، وهو أقرب إلى مجالي.
فالرجل ليس وافداً جديداً على تدبير الشأن العام. إنه وزير منتدب لدى وزيرة الاقتصاد والمالية مكلف بالميزانية منذ سنوات. وهذا الموقع، في أدبيات المالية العمومية، من أكثر المواقع الحكومية أثراً على الإطلاق: فالتنمية تحتاج إلى تمويل، ومن يمسك بالتمويل يمسك بشروط ما يمكن إنجازه وما لا يمكن.
ولنكن دقيقين في التوصيف المؤسساتي. رئيس الحكومة مسؤول عن البرنامج الحكومي الذي يعرضه أمام البرلمان عند تنصيبه. لكن التنزيل الفعلي لهذا البرنامج لا يتم بالتصريح، وإنما بقانون المالية السنوي: إعداداً، ودفاعاً عنه أمام غرفتي البرلمان، وتنفيذاً. ومن يتولى ذلك مباشرة هو الوزير المكلف بالميزانية.
أي أن الاختيارات الكبرى لهذه الولاية — ما مُوّل وما أُجّل، وأين وُجّه الاستثمار العمومي، ومن استفاد من النفقات الجبائية، وكيف وُزّعت الأعباء بين الفئات والمجالات — مرّت كلها عبر هذا الموقع.
ولذلك فإن مساءلة أعضاء الحكومة أمام الناخبين لا تستثنيه، بل تضعه بحكم موقعه في الصف الأول إلى جانب رئيس الحكومة.
ولا تُقاس الحصيلة بالأرقام والمؤشرات وحدها. تُقاس بأثرها على المواطن: على القدرة الشرائية، وعلى العدالة المجالية، وعلى ما وصل فعلاً إلى الجهات والأقاليم والدواوير التي أعلن استعداده للنزول إليها.
ولستُ أنكر ما أُنجز. فقد راكم المغرب في هذه الولاية أوراشاً كبرى ومنشآت يفتخر بها المغاربة، ولا إنصاف في تجاهلها. لكن الإنصاف نفسه يقتضي أن يُقال إن لدينا ملاعب حديثة لا تغرق، بينما تغرق أحياء ومدن عند كل موسم أمطار. وبين الأمرين سؤال في أولويات الاستثمار العمومي، لا في نية أحد.
وهذا هو معنى المحاسبة في الديمقراطية: لا نفي للإنجاز، ولا تبرير للإخفاق، بل ميزان واحد يُطبَّق على الحصيلة كاملة.
ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي أسبق مما يُطرح اليوم. فقبل أن نسأل: هل سيجيب الديب من ديلو؟ ينبغي أن نسأل: هل جابه خلال الولاية الحالية؟
والجواب لا يوجد في خطاب أكادير. يوجد في قوانين المالية الأخيرة، وفي تقارير المجلس الأعلى للحسابات، وفي أرقام التنفيذ.
«المعقول» جميل… لكن أين البرنامج؟
تحدث لقجع في أول خروج حزبي رسمي له بأكادير عن القدرة الشرائية، وعن الصحة والتعليم والإدماج الاقتصادي، وعن دور الجماعات الترابية ومحاربة السكن غير اللائق، وعن النزول إلى الأقاليم والدواوير والإنصات إلى الشباب، وعن حزب يُعدّ برنامجاً واقعياً بحلول ملموسة.
كلام لا يمكن الاختلاف حوله. وهذه بالضبط مشكلته.
فالجميع يريد قدرة شرائية أفضل، وتعليماً يُنتج الكفاءة، وصحة تحفظ الكرامة. لم يقل حزب واحد يوماً إنه ضد ذلك. السياسة لا تبدأ عند الاتفاق على الأهداف؛ تبدأ عند الاختلاف حول الطريق إليها، وحول من يؤدي كلفتها.
وقد قدّم لقجع نفسه، في أكادير، المعيار الذي يسمح بمساءلته: أن نعلن عما نستطيع فعله وعما لا نستطيع.
فلنأخذ المبدأ على محمل الجد، ولنطبّقه على مجاله هو.
ما الهامش المالي المتاح فعلاً للوفاء بما سيُعلَن، في ظل مستوى المديونية وكلفة تعميم الحماية الاجتماعية والاستثمارات المرتبطة بالاستحقاقات الكبرى المقبلة؟ ومن سيؤدي كلفة ما سيُعلَن؟ وما مصير النفقات الجبائية التي تكلف الميزانية عشرات المليارات سنوياً ويستفيد منها قطاعات بعينها؟
هذه ليست أسئلة تعجيزية. إنها الأسئلة العادية التي تُطرح على كل من يريد تدبير المال العام. ومن يعلن مبدأ الصدق في الالتزام هو أول المطالبين بالإجابة عنها بالأرقام الواقعية لا بالنوايا.
وحتى تُقدَّم هذه الأجوبة، يبقى ما سمعناه في أكادير خطاب حسن نية، لا برنامجاً سياسياً.
التصفيق المسبق ليس تكريماً
وهنا نعود إلى العبارة التي بدأنا منها، في صيغتها المغربية هذه المرة: «غيجيب الديب من ديلو».
فكلما ارتفع صوت القائلين إن الرجل جاء ليكتسح وينظّف ويغيّر ولن يرحم، ارتفعت في المقابل كلفة وجوده السياسي.
لأنك حين تقدّم شخصاً قبل الانتخابات باعتباره من سيغيّر كل شيء، فأنت لا تمنحه القوة وحدها؛ أنت ترسم على ظهره الهدف الذي ستتجه إليه سهام الخصوم جميعاً. وقوته التي يُراهن عليها داخل حزبه قد تصبح، في اللحظة نفسها، أهم عامل تعبئة ضده خارجه، والقضية التي يتوحد حولها منافسوه بعد أن كانوا متفرقين.
وقد يكون بعض اللقجعيين المتحمسين له أخطر عليه من خصومه.
فالرجل لم يقدّم بعد برنامجاً وطنياً باسمه، ولم يخض انتخابات، ولم يختبر داخل تنظيم حزبي، ولم يدبّر خلافاً داخلياً كبيراً. ومع ذلك حُسم في شأنه كل شيء سلفاً: جاء الذي سيطهّر، وجاء الذي لن يرحم، وجاء رئيس الحكومة المقبل.
وإذا كان الحكم المسبق على الرجل غير منصف، فإن التصفيق المسبق له لا يقل ظلماً. لأن كليهما يحكم عليه قبل أن يُختبر. والتصفيق المسبق ليس تكريماً؛ إنه رهن على مستقبل لم يبدأ.
وفي هذا الإطار، برز هذا الأسبوع اعتراض من زاوية مختلفة تماماً. فقد اعتبر الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، في لقاء نُشرت وقائعه، أن رئيس الحكومة عزيز أخنوش والوزير المكلف بالميزانية فوزي لقجع «وجهان لعملة واحدة»، لأنهما يشتركان في منطق تدبيري واحد قوامه الأرقام والميزانية على حساب البعد الاجتماعي، ولأن الثاني يُكمل، من موقعه، التوجه الذي يسير فيه الأول؛ محذراً مما سماه وهم اختزال المعركة الانتخابية في قطبين متطابقين في اختياراتهما الكبرى.
والملاحظة تستحق التوقف، لأنها تضيف بعداً لا يوجد في نقدنا. فنحن ننتقد شكل التنافس؛ وهذا التصريح ينتقد مضمونه. ومعاً يُنتجان سؤالاً مهماً: إذا كان الرابح معروفاً سلفاً، وكان منافسه الأول يحمل، حسب هذا الرأي، الاختيارات الاقتصادية نفسها، فما الذي يُعرض على الناخب أصلاً؟
لكن المعيار يُطبَّق على الجميع، وإلا لم يعد معياراً. فحين يقال إن القطبين وجهان لعملة واحدة، يصبح ضرورياً تقديم العملة الثالثة: بأي نخب؟ وبأي تنظيم؟ وبأي قدرة على إنتاج قيادة من الداخل؟ فسؤال إنتاج القيادة الذي نطرحه اليوم على حزب بعينه يُطرح، بالحدة نفسها، على كل حزب مغربي دون استثناء واحد.
دعوا المغاربة يصوّتون أولاً
لا اعتراض على دخول فوزي لقجع إلى السياسة. ولا على ترشحه. ولا حتى على طموحه إلى رئاسة الحكومة إن قالت صناديق الاقتراع كلمتها والمؤسسات الدستورية كلمتها.
الاعتراض على شيء واحد فقط: أن تُصنع الشرعية قبل المرور عبر الناخب.
فالمشكلة لم تعد أن حزب الأصالة والمعاصرة استقطب فوزي لقجع. المشكلة أن جزءاً من المشهد بدأ يتصرف كما لو أن فوزي لقجع استقطب الحزب، واستقطب معه المنتخبين والأعيان والمحللين، وربما استقطب مستقبلاً سياسياً لم يصنعه الناخبون بعد.
وصرنا أمام مشهد غريب: الرجل يقول إنه لا يبحث عن منصب، بينما هناك من يبحث له عن المنصب. ولم يقدّم برنامجاً بعد، بينما هناك من سلّمه المرحلة كلها.
ولذلك لم يعد السؤال يخصّه وحده. إنه يخصّنا جميعاً:
لماذا نبحث في كل مرة عن الرجل الذي سينقذ السياسة، بدل أن نبني السياسة التي لا تحتاج إلى منقذ؟
الديمقراطية القوية لا تُقاس بقدرتها على العثور على نجم قبل الانتخابات. تُقاس بقدرتها على إنتاج عشرات القيادات، والسماح بمنافسة حقيقية بينها، وترك الكلمة الأخيرة للمواطن.
ولذلك ينبغي أن نقلب السؤال في النهاية: لماذا نطالب رجلاً واحداً بأن «يجيب الديب من ديله»، بينما المطلوب منه في الديمقراطية أبسط من ذلك بكثير، وأصعب منه في الوقت نفسه: أن يقدّم برنامجه، وأن يقنع المواطنين، ثم أن ينتظر أصواتهم؟
وحتى ذلك الحين، يبقى ما ينبغي أن يُقال للجميع بسيطاً:
تمهّلوا قليلاً… المغاربة لم يصوّتوا بعد.
د. حميد النهري
أستاذ المالية العامة بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة، جامعة عبد المالك السعدي — رئيس الجمعية المغربية للمالية العمومية



