وادي زم تحتفي بكتاب أمين السعيد: تشريح علمي لمستقبل الديمقراطية في عالم متحول


شهدت مدينة وادي زم حراكاً فكرياً متميزاً تمثل في تنظيم ندوة علمية رصينة خصصت لتقديم وقراءة كتاب الأستاذ أمين السعيد، الموسوم بـ “الديمقراطية في مواجهة الأزمات: عيوب الليبرالية الجديدة، تهديدات الشعبوية ومخاطر الرقمنة”. وقد عرف هذا اللقاء الأكاديمي مشاركة وازنة لنخبة من الأساتذة والباحثين من أبناء المدينة، إلى جانب حضور لافت للمثقفين، والحقوقيين، والفاعلين المدنيين والسياسيين، وطلبة باحثين، مما جعل من المناسبة فضاءً رحباً لتبادل الأفكار وتعميق النقاش حول قضايا الفكر السياسي المعاصر.

وتوخت الندوة في جوهرها تفعيل النقاش العمومي على المستوى المحلي، ومد جسور التواصل بين الجامعة والمجتمع، من خلال تسليط الضوء على التحولات البنيوية التي تعتري الديمقراطية في عالمنا اليوم. كما هدفت التظاهرة إلى إحياء ثقافة القراءة المنهجية وتشجيع الحوار الأكاديمي حول الشأن العام، بما يساهم في بلورة تصورات فكرية تواكب المتغيرات المؤسساتية، ويعزز من إشعاع مدينة وادي زم كحاضنة للمبادرات العلمية الجادة.

وقد انصبت المداخلات التي قدمها كل من الأساتذة الهادي مقداد، وعبد الرحمن فضلاوي، وسعيد شكاك، ونور الدين الرحالي، رفقة الدكتورة لمياء العماري والدكتور عبد العزيز الهلالي، على إبراز القيمة المعرفية لهذا الإصدار الذي يأتي في سياق دولي يتسم بتصاعد موجات “التراجع الديمقراطي”. حيث ركز الباحثون على الأطروحة المركزية للكتاب التي تستشرف مستقبل الأنظمة السياسية في ظل مفاهيم مستحدثة كـ “التآكل الديمقراطي” و”ديمقراطية الطوارئ”، وهي مصطلحات تعكس تنامي الهواجس حيال قدرة المؤسسات التمثيلية على الصمود أمام النزعات السلطوية الصاعدة.

كما فكك المشاركون في الندوة المقاربة النقدية التي اعتمدها المؤلف لتحليل العلاقة المتوترة بين الديمقراطية والسياسات النيوليبرالية، موضحين كيف أدت الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن هذه السياسات إلى زعزعة الثقة في المؤسسات المنتخبة، مما مهد الطريق لبروز الخطابات الشعبوية. وقد نال محور الشعبوية حيزاً مهماً من النقاش، حيث تم استعراضها كظاهرة معقدة تضع الديمقراطية أمام تحديات داخلية وجودية، مع التأكيد على أن الكتاب قدم رؤية متوازنة تجمع بين التنظير الفكري والواقع السياسي المعاصر.

وفي سياق متصل، توقفت القراءات العلمية عند الفصل المتعلق بتداعيات جائحة كوفيد-19، التي اعتبرها المؤلف محطة اختبار كشفت عن حدود الأداء الديمقراطي وأعادت الاعتبار للنماذج المركزية في إدارة الأزمات الكبرى. كما أثار المتدخلون نقاشاً مستفيضاً حول “المخاطر الرقمية”، محذرين من التهديدات التي تشكلها التكنولوجيا الحديثة، من تضليل إعلامي واستخدام للخوارزميات والذكاء الاصطناعي للتلاعب بالرأي العام والعمليات الانتخابية، مما يفرض ضرورة ضبط التحول الرقمي لحماية الجوهر الديمقراطي.

واختتمت الفعالية بكلمة للمؤلف الأستاذ أمين السعيد، تفاعل من خلالها مع ملاحظات الأساتذة المشاركين، مبرزاً أن الكتاب هو ثمرة انشغال علمي يسعى لفهم التقاطعات المعقدة بين السياسة، والاقتصاد، والتكنولوجيا في عالم متسارع التحولات. وقد جسدت هذه الندوة في مجملها أهمية الكتاب الأكاديمي كأداة لتنوير الرأي العام، وأكدت على الدور المحوري للقاءات الفكرية في إغناء الساحة الثقافية المحلية وربطها بالنقاشات الكونية الكبرى.

مقالات ذات صلة