طبيعة القوة الجيوستراتيجية الحديثة: عصر الاختراق الشامل
محمد خياري
تثير الدقة الاستثنائية التي تُميّز العمليات العسكرية والاستخباراتية التي تنفذها الولايات المتحدة وإسرائيل تساؤلات عميقة حول ماهية القوة الجيوستراتيجية في عصرنا الراهن. إن استهداف قيادات ومنشآت في فلسطين ولبنان وإيران لم يعد يعتمد، كما يعتقد كثيرون، على شبكات الجواسيس التقليديين المنتشرين في صفوف الخصم، بل أصبح نتاجَ نظام تجسس شامل يحيك خيوطه ليخترق جميع طبقات المجتمعات، من القمة إلى القاعدة. ولعل المفارقة الأكثر إيلاماً هي أن هذا الاختراق لا يستثني أحداً؛ فحتى قادة في الدول الغربية، مثل دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، ليسوا بمنأى عنه، فما بالك بالمواطنين العاديين الذين يفتقرون إلى أدنى مستويات الحماية التقنية؟ نحن جميعاً، إذاً، مكشوفون في هذا المشهد الجديد، وهذا الواقع يعيد تشكيل ميزان القوى العالمي تشكيلاً جذرياً.
تتجاوز تكنولوجيا التجسس اليوم الحدود التقليدية للعمل الاستخباري. فثمة كاميرات لا يتجاوز حجمها حبة القمح، يمكن تثبيتها في أي مكان، وأخرى بحجم ذبابة تتنقل بحرية، وكلها قادرة على التقاط البيانات ونقلها في الوقت الفعلي. بل إن كاميرات المراقبة الأمنية التي تنشرها الدول لمراقبة مواطنيها وحفظ الأمن في شوارعها، باتت هي الأخرى عُرضة للاختراق من قبل أجهزة خارجية تمتلك تقنيات متقدمة. كذلك تحولت أجهزة التلفاز والهواتف الذكية والحواسيب إلى أدوات تجسس مباشر؛ فتطبيقات مثل فيسبوك وإكس (تويتر سابقاً) تقوم بتحليل سلوكيات المستخدمين لتحديد اهتماماتهم ورغباتهم حتى قبل أن يعبروا عنها صراحة، وتقترح عليهم منتجات تتطابق مع أفكارهم الدفينة. لم يعد هذا ضرباً من الخيال العلمي، بل هو واقعٌ قائم على خوارزميات الذكاء الاصطناعي القادرة على معالجة كميات هائلة من البيانات المستخلصة من الصور ومقاطع الفيديو والتفاعلات اليومية، لتحديد مواقع الأفراد بدقة قد تصل إلى المتر المربع، والتنبؤ بسلوكياتهم المستقبلية.
وفي السياق الجيوستراتيجي، تمتلك الدول المهيمنة، ولا سيما الولايات المتحدة وإسرائيل، تفوقاً نوعياً يفوق الوصف. فجيشاهما لا يقتصران على توظيف هذه الأدوات التجارية المتاحة للعموم؛ بل يمتلكان قدرات سرية أكثر تطوراً، تدعمها أقمار صناعية متقدمة وقواعد بيانات عابرة للقارات. يمنح هذا التفوق هاتين الدولتين القدرة على تنفيذ ضربات جراحية فائقة الدقة، على غرار ما شهدناه في اغتيال قادة من “حزب الله” أو مسؤولين إيرانيين، حيث يندمج الذكاء الاصطناعي مع المعلومات الاستخبارية الآنية لتحقيق دقة غير مسبوقة. النتيجة المحصلة هي تحول العمل الاستخباري من عملية بشرية تعتمد على العنصر البشري إلى نظام آلي يسيطر على تدفق المعلومات على نطاق عالمي، مما يعزز هيمنة الدول الغربية ويضعف قدرات خصومها.
أما الدول النامية أو تلك التي توصف بأنها “معادية” لهذا التوجه، ومن بينها بعض الدول العربية والإسلامية، فإنها تواجه معضلة حقيقية. فهي تسعى جاهدة إلى اللحاق بالركب من خلال شراء تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، والأقمار الصناعية، والكاميرات الذكية لتعزيز أمنها الداخلي والخارجي. غير أن هذه المساعي محكوم عليها بالفشل في الغالب، وذلك لعدة أسباب حاسمة:
- التكلفة الباهظة: تستنزف هذه المشتريات الموارد الاقتصادية دون أن تضمن للدولة المشترية سيطرة حقيقية عليها.
- التبعية التقنية: تبقى مفاتيح تشغيل هذه الأنظمة وصيانتها وتحديثها في أيدي الدول المصنعة، مما يحولها إلى أداة للضغط السياسي والابتزاز المحتمل.
- الحظر الاستراتيجي: لن تبيع الدول المتقدمة، تحت أي ظرف، التقنيات التي يمكن أن تشكل تهديداً حقيقياً لتفوقها العسكري والتقني.
- التقادم السريع: تتطور هذه التكنولوجيا بوتيرة متسارعة، مما يفرض على الدول المشترية تجديد أنظمتها باستمرار، فيتحول الاستثمار إلى فخ مالي لا نهاية له.
- الاختراق المعكوس: المفارقة الأكبر هي أن هذه التكنولوجيا المستوردة غالباً ما تُستخدم ضد المشتري نفسه؛ فالاختراقات التي تنفذها أجهزة استخبارات مثل الأمريكية والإسرائيلية تحول أنظمة المراقبة المحلية إلى بوابات مفتوحة للتجسس لصالحها، كما حدث في حالات عديدة حيث استخدمت بيانات كاميرات صينية أو روسية لصالح أجهزة غربية.
تُحدث هذه الديناميكية فجوة تكنولوجية وأمنية هائلة، حيث يصبح الاعتماد على التكنولوجيا الخارجية بمثابة تنازل صريح عن السيادة الوطنية.
وتتناقض الحلول المطروحة على هذه الدول مع مبدأ الاستقلال الوطني تناقضاً واضحاً. فهي أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما تطوير تكنولوجيا محلية متقدمة، وهو أمر يُعوَّق بشدة من خلال العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها والحروب السيبرانية والتجسس الصناعي الذي يستهدف عرقلة أي تقدم. وإما الانخراط الكامل في المنظومة الغربية وشراء الحماية مقابل الخضوع لشروطها. وهذا الخيار الثاني يأتي بثمن سياسي باهظ يتمثل في فقدان الاستقلالية في اتخاذ القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي. فالدول التي تقبل بهذا المسار، تحصل على مظلة أمنية مقابل ولائها السياسي، بينما تواجه الدول الرافضة عزلة متزايدة وعجزاً واضحاً أمام الضربات الاستباقية التي توجهها القوى المهيمنة.
في المحصلة، يعكس هذا الواقع تحولاً جذرياً في مفهوم القوة؛ فلم تعد القوة تقاس بحجم الجيوش التقليدية وعدتها، بل باتت تكمن في القدرة على السيطرة على البيانات وتوظيف الذكاء الاصطناعي. لقد أصبحت الدول الضعيفة محاصرة بين خيار الاستسلام لشروط الهيمنة العالمية، أو خيار المقاومة في معركة غير متكافئة. هذا الواقع لا يؤدي إلا إلى تعزيز هيمنة النموذج الأمريكي – الإسرائيلي. ولعل كسر هذه الدورة المفرغة يتطلب بناء تحالفات استراتيجية جديدة من طراز مختلف، تركز على الابتكار المشترك، وتبادل الخبرات، وبناء قدرات رقمية دفاعية وهجومية جماعية، بعيداً عن منطق الاعتماد الأحادي على قطب واحد. وإلا، سيظل العالم مجرد شبكة عنكبوتية هائلة، جميع خيوطها بيد أقلية تقنية مسيطرة.



