بين ظاهرة “مهندسي الانتخابات” وظاهرة “الوصاية العائلية”

هل نحن أمام تعميق جديد للنفور من السياسة بجهة طنجة تطوان الحسيمة؟

أهم ملاحظة يمكن تسجيلها مع اقتراب موعد انتخابات 2026 هي العودة القوية لنفس المشهد السياسي السلبي الذي عانينا منه خلال محطات انتخابية سابقة والذي يأبى للأسف إلا أن يفرض نفسه من جديد كمعطى مؤثر داخل عدد من جهات المغرب ومنها مدن جهة طنجة تطوان الحسيمة.
والمثير للانتباه أن ممارسات هذا المشهد تتجاوز في كثير من الأحيان مختلف القوانين والتوصيات ومخرجات اللقاءات التشاورية بين الأحزاب السياسية ووزارة الداخلية والتي كان آخرها الاجتماع المنعقد يوم 07 ماي 2026 والذي أكد مجددا على ضرورة احترام قواعد النزاهة وتكافؤ الفرص وتخليق الحياة السياسية.
بطبيعة الحال تبقى حركية الأحزاب السياسية خلال هذه المرحلة أمرا طبيعيا بسبب قرب الانتخابات التشريعية وما تفرضه من تنافس بين مختلف التنظيمات السياسية.
لكن الإشكال الحقيقي هو أن هذه الحركية تبدو في ظاهرها سياسية بينما تتحول في جوهرها في كثير من الأحيان إلى مجرد صراع نفوذ وتحكم في التزكيات والخرائط الانتخابية بصورة تسيء إلى السياسة وإلى الانتخابات معا.
وقد برزت خلال السنوات الأخيرة بعض الظواهر التي أصبحت تتكرر بشكل يكاد يكون عاديا مع اقتراب أي استحقاق انتخابي.

أولًا: ظاهرة (مهندسي الانتخابات)

وهي ظاهرة تعكس بروز أشخاص يقدمون أنفسهم كوسطاء فوق الأحزاب يتحركون بين تنظيمات سياسية متعددة ويتدخلون في الترشيحات وكأنهم أوصياء على القرار الحزبي وعلى مستقبل بعض المدن.
والأخطر من ذلك أن هذا السلوك لم يعد يتم في الخفاء بل أصبح يسوق بثقة كبيرة إلى درجة أن جزءا من الرأي العام بات يروج لهذه الظاهرة أو يعتقد فعلا أن مصير الانتخابات يحسم مسبقا داخل شبكات النفوذ لا داخل صناديق الاقتراع.
وهنا تكمن خطورة هذا الخطاب:
لأنه لا يضرب فقط صورة الأحزاب بل يضرب ثقة المواطن في صوته وفي معنى المشاركة السياسية نفسها.

ثانيًا: ظاهرة (الوصاية العائلية)

من جهة أخرى عادت أيضا ظاهرة لا تقل خطورة وهي ظاهرة الوراثة السياسية العائلية التي انتشرت في بعض مدن الجهة وتحول فيها التمثيل السياسي إلى امتداد للنفوذ العائلي حتى أصبح يتعامل مع بعض المواقع الانتخابية وكأنها حق خاص ينتقل داخل نفس الدوائر والأسماء.
بل الأخطر أن هذا المنطق يسوَّق أحيانا على أنه (الحل الوحيد) وأن بعض الأسماء أو العائلات هي وحدها القادرة على التحكم في مصير بعض المدن رغم الحصيلة السلبية التي أفرزتها أحيانا بعض التجارب السابقة.
وفي ظل هذا الواقع يصبح المواطن أمام مشهد سياسي مغلق:
_التزكيات تفصل على المقاس
_الكفاءات تهمش
_النفوذ المالي يسبق النقاش السياسي
وبعض المواقع تقدم وكأن لها أسماء جاهزة سلفا تمارس عليها نوعا من الوصاية السياسية غير المعلنة.
وهنا تبدأ الثقة في التآكل تدريجيا وتصبح المشاركة السياسية بالنسبة لجزء من المواطنين مجرد إجراء بلا جدوى.
أزمة أخطر من مجرد انتخابات
المغرب اليوم في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى وفي ظل رهانات استراتيجية مرتبطة بالاستثمار والتنمية وأفق 2030 يحتاج إلى:
مؤسسات قوية
أحزاب ذات مصداقية
ونخب قادرة على الإقناع والتدبير وتحمل المسؤولية.
لكن لا يمكن بناء ذلك إذا استمرت بعض الممارسات التي تختزل السياسة في:
شبكات النفوذ
التحكم في التزكيات
إعادة إنتاج نفس الوجوه
وتقديم المال أو القرابة العائلية باعتبارهما معيارا للقوة السياسية.
إن دستور المملكة المغربية 2011 حين جعل الأحزاب مؤسسات للتأطير والتعبير عن الإرادة السياسية كان يهدف إلى بناء حياة ديمقراطية قائمة على التعددية والكفاءة وربط المسؤولية بالمحاسبة لا على منطق الوصاية والاحتكار غير المعلن للقرار الانتخابي.

مسؤولية مشتركة

لهذا فإن المسؤولية اليوم مشتركة:

_مسؤولية السلطات في حماية نزاهة المسار الانتخابي وضمان تكافؤ الفرص ومسؤولية الأحزاب في استعادة استقلال قرارها الداخلي
_ثم أيضا مسؤولية الناخب في عدم تصديق هذه الظواهر سواء تعلق الأمر بـ (أسطورة مهندسي الانتخابات) أو بمنطق (الوصاية العائلية)
لأن الناخب مطالب اليوم بأن يرفض تحويل السياسة إلى مجرد (ميركاتو انتخابي) وأن يدرك أن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس فقط تراجع المشاركة السياسية بل أن يقتنع المواطن تحت تأثير بعض الأصوات (الطبالة) التي تروج لهذه الظواهر وكأنها قدر لا مفر منه وبأن صوته لم يعد قادرا على التغيير.
وعندها لن نكون أمام أزمة انتخابات فقط. بل أمام أزمة ثقة عميقة في السياسة نفسها.

حميد النهري

أستاذ القانون العام بجامعة عبد المالك السعدي

مقالات ذات صلة