سؤال في الامتحان الجهوي يعيد طرح إشكالية الصور النمطية في المجتمع عن المرأة المغربية

 

أثار سؤال ورد ضمن امتحان اللغة الفرنسية للامتحان الجهوي لنيل شهادة البكالوريا بجهة الشرق، والقاضي بمناقشة الرأي القائل إن “المرأة وجدت فقط من أجل الزواج والإنجاب”، تفاعلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي وبين مختلف الفاعلين التربويين والحقوقيين.

غير أن القراءة المتأنية لطبيعة السؤال وسياقه البيداغوجي تكشف أن الأمر لا يتعلق بتبني هذا الطرح أو الترويج له، بقدر ما يتعلق بإثارة نقاش حول إحدى القضايا المجتمعية التي ما تزال تحضر بدرجات متفاوتة داخل بعض التمثلات والذهنيات، وتمكين التلميذات والتلاميذ من ممارسة التفكير النقدي وصياغة المواقف المدعمة بالحجج، سواء بالموافقة أو بالرفض.

ويأتي هذا النقاش في ظرفية مجتمعية خاصة تعرف حركية متزايدة حول قضايا الأسرة والمساواة والأدوار المجتمعية للنساء والرجال، خاصة بعد التفاعل الواسع الذي رافق مقترحات مراجعة مدونة الأسرة، وما أثارته من مواقف متباينة ونقاشات عمومية كشفت استمرار بعض الصور النمطية والتصورات التقليدية حول مكانة المرأة وأدوارها داخل المجتمع.

وفي هذا السياق، يكتسي طرح مثل هذه المواضيع داخل الفضاء التربوي أهمية خاصة، ليس بهدف تكريس الأحكام المسبقة، وإنما بهدف مساءلتها وتفكيكها وإخضاعها للنقاش العقلاني. فالمدرسة لا تقتصر وظيفتها على نقل المعارف، بل تضطلع أيضاً بدور أساسي في تكوين مواطنين قادرين على التحليل وإبداء الرأي ومناقشة القضايا المجتمعية بوعي ومسؤولية.

وتنسجم هذه المقاربة مع التوجهات الدستورية للمملكة، حيث ينص دستور 2011 على سعي الدولة إلى تحقيق مبدأ المناصفة بين النساء والرجال، كما تندرج ضمن الرؤية التي ما فتئ صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله يؤكد عليها في مختلف الخطب والرسائل الملكية، من خلال الدعوة إلى تمكين النساء وتعزيز مشاركتهن الكاملة في مختلف مجالات التنمية، باعتبارهن شريكاً أساسياً في بناء المغرب الحديث.

كما يلتقي هذا النقاش مع الدينامية الوطنية التي تشهدها المملكة في مجال تعزيز حقوق النساء ومكافحة الصور النمطية، من خلال عدد من البرامج والسياسات العمومية الرامية إلى توسيع مشاركة النساء في الحياة العامة والسياسية والاقتصادية، وترسيخ ثقافة المساواة وتكافؤ الفرص.

وفي هذا الإطار، أطلقت وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة خلال شهر ماي الماضي الحملة الوطنية الأولى لتعزيز مشاركة النساء في الحياة العامة، وهي مبادرة تروم المساهمة في تغيير التمثلات السائدة حول أدوار النساء، وتشجيع حضورهن في مختلف فضاءات القرار والمسؤولية، انطلاقاً من قناعة مفادها أن التنمية لا يمكن أن تتحقق إلا بمشاركة جميع الطاقات والكفاءات دون تمييز.

إن أهمية السؤال الذي طُرح على المترشحين لا تكمن في مضمونه الظاهر فقط، بل في كونه يضع جيلاً كاملاً أمام فرصة للتفكير في تحولات المجتمع المغربي، وفي مدى انسجام بعض الأحكام الجاهزة مع الواقع الحالي الذي أصبحت فيه المرأة المغربية حاضرة في مختلف المجالات: من السياسة والإدارة والقضاء والدبلوماسية، إلى المقاولة والبحث العلمي والإعلام والرياضة.

فالنقاش العمومي حول هذه القضايا يظل مؤشراً صحياً على حيوية المجتمع، شرط أن يتم في إطار الاحترام المتبادل والاحتكام إلى قيم الدستور وروح الإصلاح التي اختارها المغرب، والتي تقوم على المساواة والكرامة والإنصاف، وعلى اعتبار النساء والرجال شركاء في بناء الحاضر والمستقبل.

مقالات ذات صلة