“خطر الهوية بالمغرب”.. قراءة في أطروحة مصطفى عنترة

غالبا ما توصف الهوية بأنها “سلاح ذو حدين”، فهي إما أن تكون جامعا وطنيا يمنح الشعوب استقرارها واستمراريتها، أو تتحول إلى لغم ينفجر في وجه السلم الاجتماعي إذا ما أسيء تدبيرها أو استخدمت كأداة للإقصاء والتعصب. في الحالة المغربية، ظل سؤال الأمازيغية يراوح مكانه لعقود بين المسكوت عنه سياسيا والمبحوث عنه ثقافيا، حتى جاءت التحولات الدستورية الأخيرة لتعيد صياغة المشهد الرمزي والسياسي للبلاد.

وفي هذا السياق، يأتي كتاب الباحث مصطفى عنترة الصادر حديثا بعنوان «الأمازيغية والهوية الوطنية بين الخطاب السياسي والتكريس الدستوري»، ليضعنا أمام تشريح دقيق لهذه الدينامية، مقدما إضافة نوعية لا تكتفي برصد التاريخ، بل تستشرف مستقبل الدولة الوطنية في ظل تحديات التعددية، ويرى أن الأمازيغية لم تعد مجرد مطلب جامد، بل أضحت “بعدا ديناميا” يغني الهوية الوطنية، ومشددا على أن دسترة اللغة الأمازيغية شكلت نقلة نوعية بوصفها مكونا أصيلا من مكونات الشخصية المغربية، مما يساهم في تعزيز قيم العيش المشترك وتكريس التعددية في إطار الوحدة.

ويتوزع هذا الإصدار على أربعة فصول تتناول تباعا “الهوية في الخطاب الأمازيغي”، و”مقاربة سؤال الهوية في مذكرات الفاعلين السياسيين والمدنيين”، و”الهوية في الدساتير المغربية”، و”الآليات الدستورية والمؤسساتية لحماية الهوية الوطنية”.

يرى عنترة أن المغرب انتقل من مرحلة “الهوية الأحادية” التي كرسها دستور 1962، والتي حصرت الانتماء في ثنائية ضيقة بين العربية والإسلام، إلى مرحلة “الهوية المركبة” في دستور 2011، وهو تحول كان ثمرة مخاض طويل وتفاعل بين المؤسسة الملكية ومختلف الفاعلين السياسيين والحقوقيين.

إن أهمية ما يطرحه الباحث تكمن في تفكيكه لخطاب هؤلاء الفاعلين، مبرزا كيف انتقلت الأمازيغية من “مطلب” احتجاجي في الهامش إلى “إلزام” مؤسساتي في قلب الدولة. غير أن هذا الانتقال، ورغم مكاسبه القانونية، يظل محفوفا بما يمكن تسميته “خطر الهوية”، فالهوية حين تختزل في أبعاد لغوية أو عرقية صدامية، قد تنزلق نحو الانغلاق الذي يهدد التماسك الاجتماعي، وهو ما حذر منه الكتاب عبر استحضار مفهوم “الهويات القاتلة”، كما أشار الى ذلك الكاتب أمين معلوف.

ومن هنا، يشدد الدكتور مصطفى عنترة على أن الرهان المغربي اليوم ليس في “الاعتراف” الشكلي فحسب، بل في “التدبير الديمقراطي” لهذا التعدد. فالكتاب يربط بشكل عضوي بين الأمازيغية وبين مفهوم “المواطنة”، معتبرا أن المواطنة هي الإطار الوحيد القادر على – استيعاب المكونات والروافد المتعددة – عربية إسلامية، وأمازيغية، وحسانية صحراوية، وإفريقية، وعبرية. اندلسية ومتوسطية- دون أن يلغي أحدها الآخر.

 إن “خطر الهوية” يكمن تحديدا في الفجوة القائمة بين النص الدستوري الجريء وبين التنزيل الواقعي المتعثر؛ فالأمازيغية لغة رسمية بنص القانون، لكنها لا تزال تواجه عقبات في الإدارة والتعليم والإعلام، مما يطرح أسئلة حارقة حول “العدالة اللغوية” ومدى قدرة المؤسسات على تحويل الدستور إلى ممارسة يومية يشعر فيها المواطن بكرامته الرمزية.مستلهما أدبيات “شارل تايلور” حول “سياسات الاعتراف”.

 يرتفع عنترة بالنقاش إلى أبعاد فلسفية وحقوقية، مؤكدا أن الاعتراف بالأمازيغية هو في جوهره اعتراف بحق الاختلاف والمساواة داخل دولة حديثة. إن العمل الذي قدمه مصطفى عنترة ليس مجرد دراسة أكاديمية باردة، بل هو صرخة واعية تنبه إلى ضرورة بناء نموذج ديمقراطي قادر على إدارة الاختلاف بشكل يضمن الاستقرار السياسي والوحدة الوطنية. إنها دعوة للتصالح مع الذات الجماعية بعيدا عن أوهام النقاء العرقي أو الإقصاء الأيديولوجي، فخطر الهوية لا يهزم إلا بمزيد من الديمقراطية، وبناء مشروع وطني يتسع للجميع، حيث يصبح التنوع مصدرا للقوة لا سببا للفرقة.

إن هذا المؤلف يمثل خارطة طريق لفهم كيف يمكن للمغرب، وللمنطقة المغاربية برمتها، أن تحول “عبء الهوية” إلى “رصيد حضاري” يؤسس لمستقبل مشترك.

حسن قديم

مقالات ذات صلة