النظام المعلوماتي الموحد في الصحة يثير شبهة تضييق المنافسة وإهدار المال العام
تحوّل مشروع اعتماد نظام معلوماتي موحد في قطاع الصحة من ورش إصلاحي يُفترض أن يعزز الحكامة والنجاعة الرقمية، إلى محور جدل متصاعد يثير تساؤلات عميقة حول خلفياته وتداعياته المحتملة على بنية السوق، والمنافسة، والمالية العمومية.
فبينما يروّج الخطاب الرسمي لفكرة “التوحيد” باعتبارها مدخلاً للتحديث وتحسين الأداء، تتزايد مخاوف عدد من الفاعلين المهنيين والمتتبعين من أن يتحول هذا التوجه إلى آلية غير مباشرة لتركيز السوق في يد فاعل واحد أو دائرة ضيقة من الشركات، بما قد يؤدي عملياً إلى إقصاء مقاولات راكمت خبرة واستثمارات مهمة في مجال الأنظمة المعلوماتية الصحية.
المعطيات المتوفرة تشير إلى أن تنزيل هذا المشروع بصيغته الحالية قد يخلق وضعية شبه احتكارية داخل سوق استراتيجي وحساس يرتبط مباشرة بالسيادة الرقمية والمعطيات الصحية للمواطنين. فالأمر لا يتعلق فقط ببرمجيات أو منصات تقنية، بل ببنية معلوماتية وطنية تتحكم في تدفق البيانات الصحية، وفي قدرة الدولة على التطوير والتفاوض والتحكم في الكلفة المستقبلية للمنظومة.
ويزداد الجدل حدة بالنظر إلى أن التوجهات الدولية الحديثة في مجال التحول الرقمي الصحي أصبحت ترتكز أساساً على التشغيل البيني (Interopérabilité)، والمعايير المفتوحة (Open Standards)، وتعدد الفاعلين لضمان المرونة والابتكار. غير أن عدداً من المتتبعين يرون أن التوجه الحالي يسير في الاتجاه المعاكس تماماً، عبر تكريس منطق “نظام واحد، فاعل واحد، وسوق مغلقة”.
وفي هذا السياق، تبرز تساؤلات حقيقية حول مصير الاستثمارات العمومية الضخمة التي تم ضخها منذ سنة 2019 في الأنظمة المعلوماتية الصحية بمختلف جهات المملكة. وتشير المعطيات المتداولة إلى أن الدولة استثمرت ما يفوق 204,1 مليون درهم في تطوير ونشر وتشغيل عدة أنظمة معلوماتية صحية، من بينها SIVSA بما يفوق 101 مليون درهم، وENOVA بحوالي 60 مليون درهم، وBELMED بحوالي 24 مليون درهم، وDEDALUS بأكثر من 17 مليون درهم.
ولا تقتصر هذه الاستثمارات على تطبيقات رقمية بسيطة، بل تشمل منصات تشغيلية متكاملة، وحلولاً مدمجة، ومراكز بيانات، وتكوين الموارد البشرية، إضافة إلى الربط التدريجي للمؤسسات الصحية بالمنظومات الرقمية. ورغم ذلك، يطرح خيار “النظام الموحد” عملياً سيناريو مقلقاً يتمثل في التخلي عن جزء مهم من هذه المنظومات وإعادة البناء من الصفر، وهو ما قد يحوّل ما لا يقل عن 143,9 مليون درهم إلى ما يعرف اقتصادياً بـ”التكاليف الغارقة” (Sunk Costs)، أي استثمارات عمومية صُرفت دون إمكانية استرجاع قيمتها الاقتصادية الفعلية.
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة اليوم هو ما إذا كنا أمام مشروع إصلاحي حقيقي يهدف إلى تطوير المنظومة الصحية، أم أمام إعادة هيكلة للسوق تحت غطاء الرقمنة. فالإشكال لا يرتبط فقط بالمال العام، بل يمتد أيضاً إلى طريقة تدبير الطلب العمومي في قطاع حساس واستراتيجي.
وفي مشاريع بهذا الحجم، يفترض أن تكون هناك رؤية تقنية واضحة ومعلنة، ودفاتر تحملات دقيقة ومفصلة، ومعايير تنافس شفافة، وآليات تضمن تكافؤ الفرص بين جميع الفاعلين. غير أن ما يثير القلق، بحسب عدد من المتابعين، هو غموض التصور التقني النهائي، وغياب معايير واضحة للانتقال من الأنظمة الحالية، وعدم وضوح شروط المشاركة المستقبلية، وهو ما قد يفتح الباب أمام توجيه الطلب العمومي بشكل غير مباشر نحو فاعلين بعينهم، بما يتعارض مع مبادئ المنافسة الحرة والشفافية.
ويرى خبراء أن فرض نظام واحد يحمل بدوره عدة مخاطر استراتيجية، من أبرزها خلق تبعية تكنولوجية طويلة المدى، وإضعاف القدرة التفاوضية للدولة، وارتفاع تكاليف التطوير والصيانة مستقبلاً، إضافة إلى تراجع دينامية الابتكار بسبب غياب المنافسة. كما أثبتت تجارب دولية عديدة أن غياب المنافسة في المشاريع الرقمية الكبرى يؤدي غالباً إلى ارتفاع الأسعار، وبطء التطوير، وضعف جودة الخدمات، وتعقيد عمليات التحديث مستقبلاً.
وفي ظل هذه المعطيات، تتعالى الدعوات إلى ضرورة تدخل مجلس المنافسة لتقييم هذا التوجه من زاوية تأثيره على بنية السوق، ومدى احترامه لمبادئ المنافسة الحرة، وانعكاساته على المال العام، ومدى انسجامه مع التوجهات الحديثة للحكامة الرقمية. ويؤكد متتبعون أن دور المجلس لا يقتصر فقط على معاقبة الممارسات الاحتكارية بعد وقوعها، بل يشمل أيضاً تقييم السياسات العمومية، وحماية التنافسية الاقتصادية، ومنع تشكل وضعيات هيمنة قد يصعب تصحيحها مستقبلاً.
ويبقى الرهان الحقيقي اليوم، بحسب عدد من الفاعلين، ليس فقط في تسريع رقمنة القطاع الصحي، بل في بناء نموذج رقمي وطني مفتوح، قابل للتطوير، متعدد الفاعلين، قائم على التشغيل البيني، ويحمي في الآن نفسه المال العام والتنافسية والابتكار.
أما تحويل مشروع استراتيجي بهذا الحجم إلى سوق مغلقة تُدار من طرف فاعل واحد، فقد يؤدي ـ حسب منتقدي هذا التوجه ـ إلى إعادة إنتاج اختلالات جديدة قد تدفع الدولة والمواطن ثمنها لعقود.
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل نحن بصدد إصلاح رقمي حقيقي يخدم المنظومة الصحية؟ أم أمام احتكار مقنّع يُعاد تشكيله تحت شعار “التوحيد”؟



