التحاق لقجع بالأصالة والمعاصرة.. هل بقي للانتخابات معنى؟

أثار إعلان فاطمة الزهراء المنصوري، منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، عن التحاق فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية ورئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، رسميا بصفوف “الجرار” وعضوية مكتبه السياسي، زوبعة من التساؤلات في المشهد السياسي المغربي. هذا الخبر تحول إلى مؤشر يفرض علينا التوقف كثيرا عنده لمراجعة مسار التعددية والحركية الحزبية في بلادنا.

بداية، ومن باب التجرد والموضوعية، لا يمكن لأحد أن يصادر حق فوزي لقجع، كمواطن مغربي، في الانتماء لأي إطار سياسي يراه مناسبا لقناعاته، أو في الترشح للانتخابات. فهذا حق دستوري مكفول للجميع، ولقجع بما راكمه من تجربة في تدبير ملفات كبرى، يمتلك “بروفايلا” يغري أي حزب سياسي. لكن، حين نضع هذا الالتحاق في سياقه السياسي والزمني، تبرز إشكالات عميقة تمس جوهر العملية الانتخابية.

إن هذا الالتحاق هو اعتراف ضمني ومؤلم بفشل حزب الأصالة والمعاصرة، بعد قرابة 20 سنة من التأسيس، في صناعة قيادات حزبية “عضوية” من داخل رحم الحزب. كيف يعجز حزب كان يطمح لـ”تحديث المشهد السياسي” عن إنتاج نخب قادرة على قيادة الحكومة، ليضطر في كل مرة إلى استيراد “نجوم” من عالم التكنوقراط أو الإدارة؟ أين هي مدرسة “البام” في تكوين الأطر إذا كان يتطلع دائما إلى “الجاهز” لإنقاذ صورته الانتخابية؟

وعلاوة على أزمة القيادة، يسلط هذا الالتحاق الضوء على معضلة بنيوية باتت تنخر جسد السياسة المغربية، وهي “حمى استقطاب الأعيان”. ففي الوقت الذي يقدم فيه الأصالة والمعاصرة نفسه كحزب “حداثي” يسعى لقطع الطريق على المحافظة والتقليدانية، نراه يفتح أبوابه على مصراعيها لأعيان قادمين أحيانا من أحزاب يمينية أو هيئات لا تجمعها بـ”الحداثة” إلا الخير والإحسان. هذه الظاهرة تضرب في عمق العملية الانتخابية،لأنها تكرس واقعا مريرا: نحن لا نبني أحزابا ذات امتداد شعبي وجماهيري قائم على الإيمان بالمشروع، بل نبني “دكاكين انتخابية” كبرى بما تضم من “أعيان” يشتغلون كآلات انتخابية تحسم المقاعد بفضل نفوذها المالي والقبلي وليس بفضل جاذبية البرنامج الحزبي. بهذا المعنى، يمكن لأي إطار سياسي أن يتحول إلى “رقم صعب” في الخريطة بمجرد “تجميع” هؤلاء الأعيان، دون الحاجة لقاعدة نضالية حقيقية.

إن الخطورة تكمن في أن النقاش العمومي اليوم انحرف عن سكته الصحيحة؛ فبدلا من أن يتساءل المغاربة عن البرنامج الانتخابي للأصالة والمعاصرة وعن حلوله للأزمات الاجتماعية والاقتصادية، صار الحديث محصورا في “شخص” لقجع ومدى قوته. لقد نجحت سياسة “الأسماء الوازنة” في اختطاف الأضواء من “البرامج الوازنة”، مما يكرس انطباعا لدى الشارع بأن نتائج انتخابات 2026 بدأ يحضر لها في “المطابخ الضيقة” قبل أوانها.

حين يتم تقديم شخصية بحجم لقجع، بكل ما يحيط بها من دعم مؤسساتي، كقيادي ورئيس حكومة محتمل، يبدأ المواطن في التساؤل: هل نحن أمام انتخابات حقيقية قائمة على صراع أفكار؟ أم أننا أمام “سيناريو مكتوب” وما صناديق الاقتراع إلا إجراء شكلي لتأثيث المشهد؟ إن مغزى الانتخابات هو “عنصر المفاجأة” والاحتكمام لإرادة الشعوب، لكن حين يصبح رئيس الحكومة القادم “معلوما بالضرورة” قبل فتح باب الترشيحات، تفقد العملية الانتخابية معناها، ويصاب الناخب بالنفور والعدمية السياسية.

إن بناء ديمقراطية حقيقية لا يتم بـ”الاستقطابات الفوقية” أو بالاعتماد على “الأعيان” العابرين للأحزاب، بل ببناء مؤسسات حيوية تنتج نخبها من صلب الصراع السياسي الميداني. فهل نتحرك نحو تكريس التعددية، أم أننا بصدد هندسة مشهد “على المقاس” يقتل روح المنافسة ويجعل من صياح الناخبين مجرد صدى لقرارات اتخذت سلفا؟

حسن قديم

مدير موقع الميدان بريس

مقالات ذات صلة