الرشيدية: من “السيبة” إلى دولة القانون.. واقعة “أغبالو نكردوس” تكشف أزمة تدبير أراضي الجموع وصراع العقل القبلي مع الدولة الحديثة
حيل الترامي أراضي الغير..قبيلة تمنع جنازة سيدة في منطقة متنازع عليه
يوسف القاضي
أعادت الواقعة التي شهدتها منطقة “أغبالو نكردوس” بإقليم الرشيدية، والمتعلقة بتعثر دفن سيدة وسط خلاف قائم بين قبيلتين حول النفوذ الترابي وأراضي الجموع، طرح أسئلة عميقة تتجاوز الحادثة في بعدها الظرفي، لتلامس إشكالات سوسيولوجية وقانونية وتاريخية مرتبطة بطبيعة العلاقة بين البنية القبلية التقليدية ومنطق الدولة الحديثة.
ورغم أن الروايات المتداولة بشأن الواقعة تختلف في بعض التفاصيل، فإن المعطيات المتوفرة تشير إلى أن أصل النزاع لا يتعلق برفض دفن السيدة المتوفاة في حد ذاته، بل بخلاف قديم حول التحديد الإداري لعقار جماعي، بعد محاولة إحداث مقبرة جديدة فوق أرض تعتبر قبيلة “تاغنبوت” أنها تدخل ضمن نفوذها الترابي.
وتفيد الروايات نفسها أن قبيلة السيدة المتوفاة تتوفر على مقبرة قديمة لا يزال الدفن فيها قائماً، كما أن الطرف الآخر لم يبدِ اعتراضاً على دفن السيدة داخل المقبرة الموجودة أو حتى داخل مقبرتهم، لكنه رفض إحداث مقبرة جديدة فوق عقار محل نزاع، وهو ما فجّر حالة من التوتر والاحتقان.
غير أن خطورة الواقعة لا تكمن فقط في تفاصيلها الميدانية، بل في الرمزية الاجتماعية والسياسية التي تحملها، إذ تكشف استمرار حضور العقل القبلي في تدبير قضايا يفترض أن تخضع حصرياً للقانون والمؤسسات. فإحداث المقابر، أو تدبير العقار الجماعي، أو الفصل في النزاعات الترابية، ليست صلاحيات تُمارس بمنطق النفوذ أو “تاهركاويت”، وإنما اختصاصات مؤطرة قانونياً يفترض أن تضطلع بها مؤسسات الدولة.
ومن الناحية القانونية، فإن أي محاولة لفرض الأمر الواقع فوق عقار متنازع حوله، أو تحويل أرض خلاء إلى مقبرة خارج المساطر القانونية والتنظيمية المعمول بها، يفتح الباب أمام فوضى عقارية ومجالية خطيرة، وقد يشكل سابقة تهدد الأمن العقاري والسلم الاجتماعي. لذلك يرى متابعون أن مثل هذه الملفات تستوجب تدخلاً صارماً من السلطات المختصة لتطبيق القانون ومنع كل أشكال الترامي أو فرض الوقائع بالقوة أو بالعصبية القبلية.
أما من الناحية السوسيولوجية، فإن الواقعة تعكس استمرار التوتر بين مفهومين متناقضين: مفهوم الدولة الحديثة القائمة على المؤسسات والقانون، ومفهوم الانتماء القبلي الذي لا يزال في بعض المناطق يحتفظ بسلطة رمزية واجتماعية تتجاوز أحياناً سلطة الدولة نفسها. وهذا التداخل بين المرجعيتين يخلق وضعاً هجينا تصبح فيه بعض القرارات والمجالات خاضعة للتوازنات القبلية أكثر من خضوعها للمؤسسات.
كما أن ملف أراضي الجموع، الذي يمتد بجذوره إلى مراحل تاريخية سابقة، تحول مع مرور الزمن من إطار تضامني لتنظيم الملكية الجماعية إلى أحد أبرز مصادر النزاع والاحتقان، بسبب غموض الحدود، وتداخل النفوذ، وضعف التحيين العقاري والقانوني، إلى جانب استمرار بعض العقليات التقليدية في تدبير المجال.
ويرى عدد من المتابعين أن الدولة مطالبة اليوم بإصلاح جذري وعميق لهذا الملف، عبر الانتقال من التدبير القبلي التقليدي إلى تدبير مؤسساتي حديث وواضح، يضمن الحقوق التاريخية للسكان والجماعات السلالية، وفي الوقت نفسه يرسخ سلطة القانون ويمنع تحويل العقار الجماعي إلى بؤرة للصراع والانقسام.
كما تبرز الحاجة إلى تصور جديد يجعل أراضي الجموع رافعة للتنمية والاستثمار والاستقرار الاجتماعي، بدل أن تبقى مجالاً مفتوحاً للتوترات والصدامات. ويتطلب ذلك وضع قوانين أكثر وضوحاً وصرامة، تضمن حق الساكنة في الاستقرار والسكن والفلاحة، مع فتح المجال أمام الاستثمار المنظم والعادل تحت إشراف الدولة ومؤسساتها.
إن ما وقع في “أغبالو نكردوس” لا ينبغي أن يُقرأ فقط كحادث معزول، بل كإشارة قوية إلى الحاجة الملحة لترسيخ دولة المؤسسات والقانون، ووضع حد لمنطق “السيبة” وفرض الأمر الواقع، لأن استمرار مثل هذه السلوكات يعني إعادة إنتاج التوترات نفسها مستقبلاً، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى تعزيز الاستقرار والتماسك الاجتماعي.
وفي جميع الأحوال، تبقى حرمة الموتى فوق كل الخلافات، ويظل إكرام الميت قيمة دينية وإنسانية لا يجوز أن تتحول إلى ورقة داخل أي صراع كيفما كانت خلفياته.



