بعد 35 سنة من المينورسو.. هل تدخل قضية الصحراء المغربية مرحلة ما بعد التدبير الأممي؟
من خطة الاستفتاء سنة 1991 إلى مقترح الحكم الذاتي والتحولات داخل مجلس الأمن: قراءة في مسار قضية الصحراء المغربية وما قد يحمله منعطف 30 أكتوبر 2026
بقلم: ذة. حسناء بوكيد
باحثة بجامعة الحسن الثاني الدار البيضاء
لم يكن اجتماع مجلس الأمن يوم 30 أكتوبر 2026 محطة عادية في المسار الأممي لقضية الصحراء المغربية، فقبل يوم واحد من الموعد المحدد لانتهاء ولاية “بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية”، المعروفة اختصاراً بـ«المينورسو»، واجه المجلس خلافاً حاداً بين أعضائه حول مستقبل البعثة وطبيعة الدور الذي ينبغي أن تضطلع به خلال المرحلة المقبلة، وانتهى الاجتماع دون اعتماد أي من مشروعي القرار المتنافسين، ما وضع مستقبل البعثة أمام وضع غير مسبوق منذ إنشائها سنة 1991.
هذا التطور، الذي تزامن مع تخليد المغرب لعيد الوحدة، أعاد طرح سؤال جوهري: هل نحن أمام نهاية مرحلة ارتبطت بإدارة النزاع من خلال بعثة أممية ذات اختصاصات محددة، أم أمام تحول في آليات تدبير الملف، مع استمرار الإطار السياسي والقانوني للأمم المتحدة؟
وللإجابة عن هذا السؤال، لا بد لنا من العودة إلى المحطات التي شكلت المسار التاريخي للقضية، وفهم التحولات التي عرفتها مواقف الأطراف والمنتظم الدولي.
تعود جذور النزاع إلى مرحلة إنهاء الاستعمار الإسباني للصحراء سنة 1975، وهي السنة التي شهدت صدور الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في 16 أكتوبر، والتي أقرّت بوجود روابط قانونية للولاء بين سلطان المغرب والقبائل المتواجدة في الإقليم، لكنها لم تعتبر أن تلك الروابط تثبت سيادة إقليمية من شأنها أن تلغي تطبيق مبدأ تقرير المصير، وتظل هذه الخلاصة القانونية من أهم المرجعيات التي ينبغي استحضارها عند قراءة الملف، بعيداً عن الانتقاء في عرض مضمون الرأي الاستشاري.
وفي سنة 1991، انتقل تدبير النزاع إلى مرحلة جديدة مع اعتماد مجلس الأمن القرار 690، الذي أنشأ على اثره بعثة المينورسو في إطار خطة التسوية الأممية، وكان الهدف الأساسي من هذه الخطة هو الإعداد لتنظيم استفتاء لتقرير المصير، إلى جانب مراقبة وقف إطلاق النار بين المغرب وجبهة البوليساريو، الا أن الخلاف حول تحديد الهيئة الناخبة ومعايير المشاركة في الاستفتاء، وما ارتبط بذلك من تعقيدات قانونية وسياسية في الوقت ذاته، حال دون تنفيذ هذا الشق من الخطة، وهكذا، تحولت البعثة تدريجياً من آلية يفترض أن تهيئ لمرحلة انتقالية محددة زمنياً إلى حضور أممي امتد لأكثر من ثلاثة عقود، دون أن يفضي إلى تسوية نهائية، بل أثبت بالملموس أن الاستفتاء الذي كان يعتقد أنه يشكل آلية للحل أصبح غير قابل للتطبيق على أرض الواقع.
وفي أبريل 2007، انتقل النقاش، في التصور المغربي، من التركيز على صيغة الاستفتاء التي تعثرت لسنوات إلى طرح حل سياسي يقوم على منح الأقاليم المعنية تدبير شؤونها في إطار السيادة المغربية، وبذلك تم تسجيل محطة جديدة في مسار القضية.
وفي 30 أبريل من السنة نفسها، اعتمد مجلس الأمن القرار 1754، الذي دعا الأطراف إلى الدخول في مفاوضات دون شروط مسبقة وبحسن نية، وأخذ علماً بالمقترح المغربي، في سياق البحث عن حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الأطراف.
ومنذ ذلك التاريخ، أصبح مقترح الحكم الذاتي حاضراً بصورة متزايدة في النقاشات الدولية المتعلقة بمستقبل المنطقة، ومع ذلك، ظل المسار الأممي يستند إلى مبدأ التوصل إلى حل سياسي متوافق عليه، في إطار ميثاق الأمم المتحدة، بما في ذلك مبدأ تقرير المصير.
خلال السنوات اللاحقة، لم يحقق المسار التفاوضي تقدماً حاسماً، كما عرف الوضع الميداني والسياسي تطورات متلاحقة، من بينها إعلان جبهة البوليساريو سنة 2020 اعتبار وقف إطلاق النار منتهياً، وهو ما زاد من تعقيد مهمة البعثة الأممية.
وفي المقابل، واصل المغرب تحركاته الدبلوماسية للدفاع عن مبادرة الحكم الذاتي، وتوسيع دائرة الدعم الدولي لموقفه، وقد شكل الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء في دجنبر 2020 تطوراً بارزاً في هذا السياق، لكنه ظل موقفاً صادراً عن دولة بعينها، ولا ينبغي الخلط بينه وبين قرار جماعي صادر عن الأمم المتحدة.
وتكشف هذه المرحلة عن تباين واضح بين مسارين: مسار دبلوماسي يسعى المغرب من خلاله إلى ترسيخ مبادرته باعتبارها أساساً للحل، ومسار أممي ظل محافظاً على مرجعيته التفاوضية، مع استمرار الدعوة إلى تسوية سياسية متوافق عليها.
وفي 31 أكتوبر 2025 اكتسب القرار 2797 المعتمد أهمية خاصة في هذا المسار، فقد مدد ولاية المينورسو إلى غاية 31 أكتوبر 2026، ودعا إلى إجراء مفاوضات تتخذ من المقترح المغربي للحكم الذاتي أساساً لها، مع الإشارة إلى أن الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يمثل نتيجة أكثر قابلية للتحقق، في إطار حل سياسي نهائي ومقبول من الأطراف.
كما طلب المجلس من الأمين العام تقديم مراجعة استراتيجية بشأن مستقبل ولاية البعثة، مع مراعاة نتائج المفاوضات، وبذلك لم يعد النقاش مقتصراً على التجديد الدوري للولاية، بل امتد إلى تقييم مدى ملاءمة المهام الحالية للبعثة مع تطورات المسار السياسي. وتكمن أهمية هذه المراجعة في كونها فتحت المجال أمام إعادة النظر في طبيعة الحضور الأممي ووظائفه، دون أن تعني مسبقاً اتخاذ قرار بإنهاء البعثة أو إغلاق الملف.
ثم جاء اجتماع 30 أكتوبر 2026 ليضع هذه الأسئلة في صلب النقاش الدولي، فقد اصطدم مشروع القرار الأمريكي، الذي تضمن تعديلات على اسم البعثة وطبيعة مهامها، وبالرغم من موافقة 11 دولة وامتناع ثلاثة دول عن التصويت، فقد لجأت روسيا إلى استعمال حق الفيتو ضد هذا المشروع الذي كان يسعى إلى جعل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساساً للتفاوض، مع مراجعة البنية والمهام المرتبطة بالمينورسو.
وفي المقابل، لم يتمكن المشروع الروسي الداعي إلى تمديد الولاية سنة إضافية دون تغييرات لا في اسم المينورسو ولا في مهامها من الحصول على الأصوات التسعة المطلوبة لاعتماده، إذ نال ثلاثة أصوات مؤيدة، مقابل صوت واحد معارض، وامتناع أحد عشر عضواً.
وتكشف هذه النتيجة عن خلاف داخل مجلس الأمن لا يتعلق فقط بصيغة تمديد ولاية البعثة، بل يمتد إلى طبيعة المرحلة السياسية المقبلة، وحدود التغيير الممكن في مهام الأمم المتحدة على الأرض.
إن ما يطرح اليوم لا يقتصر على مصير بعثة المينورسو، بل يتعلق بمستقبل الإطار الأممي الذي ظل يؤطر النزاع منذ سنة 1991، فهل ستتجه المرحلة المقبلة إلى تقليص الدور الميداني للبعثة وإعادة توجيهه نحو مواكبة المسار السياسي؟ أم أن غياب التوافق داخل مجلس الأمن سيؤدي إلى فترة من الغموض المؤسساتي، في انتظار بلورة صيغة جديدة؟
هناك فرق بين انتهاء مهمة بعثة أممية، وبين انتهاء دور الأمم المتحدة في قضية مدرجة ضمن جدول أعمال مجلس الأمن. فالأمم المتحدة لا تختزل في بعثاتها الميدانية؛ إذ يظل للمجلس دور سياسي، وللأمين العام ومبعوثه الشخصي أدوار مرتبطة بالوساطة وتيسير المفاوضات، ما لم يصدر قرار يغير الإطار القائم.
بعد خمسة وثلاثين عاماً من إنشاء المينورسو، يبدو أن النموذج الذي تأسس سنة 1991 يواجه اختباراً حقيقياً، فقد تعثرت الغاية الأصلية المرتبطة بتنظيم الاستفتاء، وتغيرت لغة النقاش داخل مجلس الأمن، وأصبح مقترح الحكم الذاتي يحتل موقعاً أساسياً ومرجعيا في عدد من المبادرات والمواقف والقرارات الدولية.
لقد أظهر اجتماع 30 أكتوبر أن الخلاف لم يعد محصوراً في تمديد ولاية بعثة أو تعديل مهامها، بل أصبح مرتبطاً بتصورات متباينة لمستقبل المسار السياسي نفسه، ومن هنا تبرز أهمية المرحلة المقبلة: ليس فقط بالنسبة إلى المغرب، وإنما أيضاً بالنسبة إلى الاستقرار الإقليمي ومصداقية آليات الوساطة الدولية ونجاعتها.
وبين انتهاء صيغة قديمة لم تحقق أهدافها المعلنة، وصعوبة بناء صيغة جديدة تحظى بالتوافق الضروري، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تكون مرحلة ما بعد المينورسو بداية انتقال فعلي من إدارة النزاع إلى تسويته، أم مجرد فصل جديد من فصول الخلاف حول شروط الحل وآلياته؟
فما سيحدد طبيعة المرحلة المقبلة ليس فقط مصير البعثة الأممية، بل قدرة المسار السياسي على الانتقال من قرارات ومواقف دبلوماسية إلى تسوية واضحة، متوافق عليها، وقابلة للاستمرار.



