أطروحة بجامعة محمد الخامس ترصد تحولات الدبلوماسية في عصر الذكاء الاصطناعي

شهد المدرج رقم (1) بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بجامعة محمد الخامس بالرباط مناقشة أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في القانون العام والعلوم السياسية، تقدم بها الباحث سعيد الحجي، تحت إشراف الأستاذة الدكتورة فاطمة رومات، الخبيرة الدولية في مجال أخلاقيات الذكاء الاصطناعي ;، أمام لجنة علمية مكونة من نخبة من الأساتذة المتخصصين في القانون الدولي والعلاقات الدولية والدبلوماسية و الذكاء الاصطناعي ترأسها الأستاذ الدكتور زكرياء أبو الذهب  الذي تولى أيضا مهمة المقرر. و قد شارك في الجنة بالإضافة الى رئيسها والأستاذة المشرفة على الاطروحة، كل  من الأستاذ الدكتور محمد أشلواح  بصفته مقررا وعضوا، والأستاذة الدكتورة حبيبة بلغيتي بصفتها مقررة وعضوة.

وحملت الأطروحة عنوان: “الممارسة الدبلوماسية في عصر الذكاء الاصطناعي: الفرص والرهانات”، وتناولت الأطروحة أحد أبرز التحولات التي يشهدها النظام الدولي، من خلال دراسة أثر الذكاء الاصطناعي في قواعد الممارسة الدبلوماسية ووظائفها وأبعادها المؤسسية وآفاقها المستقبلية.

وتندرج هذه الأطروحة ضمن الجيل الجديد من الأبحاث الأكاديمية التي تتناول الذكاء الاصطناعي باعتباره قضية قانونية وسياسية وجيوسياسية، وليس مجرد تطور تقني، إذ اعتمدت الأطروحة مقاربة متعددة التخصصات جمعت بين القانون الدولي والعلاقات الدولية والدراسات الجيوسياسية، بهدف فهم التحولات العميقة التي يشهدها العمل الدبلوماسي في ظل الثورة الرقمية وثورة الذكاء الاصطناعي.

وانطلقت الدراسة من إشكالية محورية تمثلت في بحث مدى تأثير الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل الممارسة الدبلوماسية، وما إذا كان الذكاء الاصطناعي يمثل مجرد أداة لتطوير الأداء الدبلوماسي، أم أنه أصبح متغيرا مؤثرا في بيئة العمل الدبلوماسي، وفي وظائفه ومبادئه وآليات وهياكل اشتغاله.

واعتمد الباحث إطارا تحليليا تناول العلاقة بين الدبلوماسية والذكاء الاصطناعي من أربعة مستويات مترابطة؛ أولها باعتبار الذكاء الاصطناعي أداة داعمة للعمل الدبلوماسي، وثانيها بوصفه موضوعا جديدا على الأجندة الدولية للتفاوض والتنافس بين الدول، وثالثها باعتباره بيئة اشتغال رقمية جديدة تفرض تحولات قانونية ووظيفية ومؤسساتية على الممارسة الدبلوماسية، ورابعها بوصفه أداة لتعزيز التعاون والتفاعل الدوليين.

كما تناولت الأطروحة -التي تعد من أوائل الدراسات الأكاديمية على مستوى الجامعات المغربية التي خصصت لهذا الموضوع بحثا مستقلا- أثر الذكاء الاصطناعي في الممارسة الدبلوماسية من منظور قانوني ووظيفي ومؤسساتي. فعلى المستوى القانوني، بحثت مدى تأثيره في القواعد والمبادئ المنظمة للعلاقات الدبلوماسية، ولا سيما تلك المؤطرة باتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لسنة 1961 واتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية لسنة 1963، بما في ذلك مبادئ عدم التدخل، والمعاملة بالمثل، والسرية، والحصانات والامتيازات الدبلوماسية. وعلى المستوى الوظيفي، حللت التحولات التي تشهدها الوظائف التقليدية للدبلوماسية، وفي مقدمتها التمثيل، والتفاوض، والاتصال، وحماية المصالح. كما رصدت بروز أنماط جديدة للممارسة الدبلوماسية من قبيل الدبلوماسية الرقمية والخدمات القنصلية الإلكترونية والسفارات الافتراضية، إلى جانب توظيف الأنظمة الذكية في تحليل البيانات واستشراف الأزمات ودعم اتخاذ القرار والمساعدة في عمليات التفاوض.

وخلصت الدراسة إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد وسيلة تقنية لتحديث الأداء الدبلوماسي، بل أصبح عاملا مؤثرا في البيئة التي تتحرك داخلها الدبلوماسية، بما يفرض على الدول ومؤسساتها إعادة التفكير في أساليب اشتغالها وتطوير قدراتها المؤسسية، مع الحفاظ على الدور المركزي للدبلوماسي في التقدير السياسي وصناعة القرار والتفاوض باعتبارها وظائف لا تزال ترتبط بالحكم البشري والمسؤولية القانونية.

كما أبرزت الأطروحة في بعدها الاستشرافي أن مستقبل الدبلوماسية لن يقوم على إحلال الأنظمة الذكية محل الدبلوماسي، وإنما على بناء نموذج تكاملي هجين يجمع بين الخبرة البشرية والإمكانات التي توفرها تقنيات الذكاء الاصطناعي، في إطار يحافظ على مبادئ الشرعية الدولية ومتطلبات الأمن الرقمي وحوكمة التكنولوجيا.

وقد أشادت لجنة المناقشة بأهمية الموضوع وراهنية الإشكاليات التي يطرحها، وبالمقاربة العلمية التي اعتمدها الباحث، والتي جمعت بين التأصيل النظري والقانوني والتحليل الوظيفي والاستشراف، معتبرة أن هذا العمل يفتح آفاقا جديدة أمام البحث الأكاديمي في تقاطع القانون الدولي والعلاقات الدولية والذكاء الاصطناعي.

وبعد المداولة، قررت اللجنة منح الباحث سعيد الحجي شهادة الدكتوراه في القانون العام والعلوم السياسية بميزة “مشرف جدا” مع التوصية بالنشر، تقديرا لقيمتها العلمية، وأصالة موضوعها، وما تضمنته من نتائج وتوصيات من شأنها الإسهام في تطوير الدراسات القانونية والسياسية ذات الصلة بالتحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي.

وحضر أشغال المناقشة ثلة من الأساتذة الباحثين والطلبة والمهتمين بمجالات القانون والعلاقات الدولية، إلى جانب أفراد من أسرة الباحث وأصدقائه، في أجواء أكاديمية طبعتها الإشادة بقيمة الموضوع وأهميته في مواكبة التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي.

مقالات ذات صلة