فوزي لقجع: “المايسترو” الذي يزاوج بين صرامة الأرقام وجرأة السياسة


في قلب المشهد السياسي المغربي المعاصر، يبرز فوزي لقجع كشخصية استثنائية تجاوزت بوقعها وتأثيرها الأدوار التقليدية للمسؤول العمومي، لتصيغ لنفسها كاريزما خاصة تزاوج بين صرامة الأرقام ودهاء السياسة وجرأة رجل الدولة الذي لا يخشى اقتحام المناطق الرمادية. إن تأمل مسار هذا الرجل، انطلاقا من مسؤوليته كوزير منتدب مكلف بالميزانية وصولا إلى موقعه القيادي داخل المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، يكشف عن ظاهرة سياسية فريدة؛ فهو هو فاعل سياسي بامتياز دخل معترك الحزبية برؤية واضحة و”تعاقد سياسي” صريح، يبتغي من خلاله تحويل المشاريع الكبرى للدولة إلى واقع ملموس يمس حياة المواطنين. هذا الدخول القوي إلى “بيت الجرار” أحدث نوعا من الارتباك الإيجابي والحركية المتسارعة داخل الحزب بل لأن طبيعة لقجع “البركانية” نسبة لمسقط رأسه، تأبى الركود وتفرض إيقاعا يتسم بالسرعة والفعالية والحسم، وهو ما جعل وجوده داخل المكتب السياسي صمام أمان لتعزيز أداء الحزب وتجويد مساهمته في التدبير الحكومي.

إن ما يجعل فوزي لقجع يحظى باحترام الخصوم قبل الأصدقاء، هو تلك التوليفة النادرة من “مواصفات رجل الدولة” التي تظهر في كل إطلالاته وقراراته. فالرجل لا يختبئ وراء الشعارات الفضفاضة، بل يواجه الرأي العام والبرلمان بلغة هي مزيج من الصدق والصراحة التي قد تكون مؤلمة أحيانا لكنها ضرورية. وفي بلد تسيطر فيه لغة الخشب على الكثير من الخطابات السياسية، يبرز لقجع كصوت مختلف؛ يمتلك الشجاعة الكافية ليحدد بدقة حدود مسؤولياته، كما فعل حين كشف بكل شفافية عن تفاصيل التدبير المالي واللوجستي لملفات كبرى، مثل استيراد الأغنام أو تدبير توازنات الميزانية في ظروف دولية متقلبة. هو لا يتهرب من المسؤولية ولا يوزع الوعود الوهمية، بل يضع الحقائق كما هي فوق الطاولة، مؤمنا بأن الوضوح هو أقصر الطرق لبناء الثقة بين الدولة والمجتمع. وهذه الصراحة نابعة من صدق داخلي وإيمان عميق بأن خدمة الوطن تتطلب رجالا يمتلكون القدرة على اتخاذ القرارات الصعبة في اللحظات الحرجة.

ولعل أسمى ما يميز فوزي لقجع، ويجعله يصنف ضمن طينة “رجال الدولة الكبار”، هو امتلاكه لثقافة الاعتراف بالخطأ. في عرف السياسة، ينظر للاعتراف بالقصور كضعف، لكن عند لقجع، هو قمة القوة والمراجعة المسؤولة. فهو لا يتردد في القول، إن بدا له ذلك، بأن هذا القرار أو ذاك كان يحتاج تجويدا، أو أن التجربة كشفت عن ثغرات يجب سدها. هذا النوع من التواضع المعرفي والسياسي هو الذي يرفع من شأن المسؤول في أعين المواطنين والخصوم على حد سواء؛ فعندما يعترف المسؤول بأن تدبير الشأن العام هو اجتهاد بشري قابل للخطأ والصواب، فإنه يفتح باب الحوار العقلاني ويقطع الطريق أمام المزايدات السياسوية الضيقة. إن احترام الخصوم للقجع ينبع من إدراكهم أنه محاور شرس يمتلك الحجة والرقم، لكنه في الوقت ذاته مسؤول نزيه يعترف بالواقع كما هو، ولا يحاول تجميل الإخفاقات بل يسعى جاهدا لتحويلها إلى دروس للنجاح.

تتجلى عبقرية لقجع أيضا في قدرته على المزاوجة بين ملفات تبدو متباعدة، لكنه يربط بينها بخيط ناظم هو “مصلحة المغرب العليا”. فبين إدارته للميزانية العامة للدولة بحرص “رب البيت” الذي يوازن بين الموارد والنفقات في ظل أزمات الجفاف والتضخم، وبين إدارته لملف كرة القدم الذي حقق فيه إشعاعا قاريا ودوليا غير مسبوق، يثبت لقجع أن “رجل الدولة” هو من يمتلك رؤية شمولية. دخوله للسياسة من بوابة حزب الأصالة والمعاصرة كان تعبيرا عن رغبته في ممارسة السياسة بـ “نفس تكنوقراطي” يقدس المردودية والنتائج. وهو في ذلك لا يبحث عن مجد شخصي، فقد نال من النجاحات ما يكفي، إذ يسعى لتنزيل “التعاقد” الذي قطعه على نفسه بتقديم القيمة المضافة لتدبير حكومي يواجه تحديات الدولة الاجتماعية. هذا الالتزام هو ما جعل حضوره داخل الحزب يربك الحسابات، لأنه يفرض معايير عالية من الانضباط والعمل الميداني، بعيدا عن الترضيات الحزبية التقليدية.

إن شخصية فوزي لقجع، كما ترسمها مساراته المهنية والسياسية، هي شخصية الرجل الذي لا يعرف المستحيل. هو “المايسترو” الذي يعرف متى يرفع الإيقاع ومتى يهدئه، وهو المسؤول الذي يحمل همّ “الميزانية” بصرامة المحاسب، وهمّ “السياسة” بوعي المناضل، وهم “الوطن” بصدق المواطن. إن الإنجازات التي حققها في مختلف الواجهات ليست وليدة الصدفة، بل هي ثمرة عمل دؤوب وشخصية قوية لا تنكسر أمام العواصف. وعندما يتحدث لقجع، فإن الجميع ينصت، ليس لمنصبه، بل لأن كلامه يحمل طعم الحقيقة وجرأة المكاشفة. إنه نموذج للمسؤول المغربي الجديد، الذي يجمع بين التكوين العالي، والخبرة الميدانية، والقدرة على التواصل المباشر مع نبض الشارع، مع الحفاظ على وقار رجل الدولة الذي يضع هيبة المؤسسات فوق كل اعتبار.

يظل فوزي لقجع رقما صعبا في المعادلة الوطنية، ورجلا يفرض احترامه بفضل منجزاته وصراحته التي لا تداهن. إن شجاعته في الاعتراف بالأخطاء، وصدقه في طرح القضايا، وقدرته على تدبير الأزمات برأس بارد، كلها صفات تجعل منه مدرسة في تدبير الشأن العام. هو يثبت يوما بعد يوم أن السياسة، حين تمارس بصدق وأمانة، يمكن أن تكون رافعة حقيقية للتغيير، وأن رجل الدولة الحقيقي هو من يترك أثراً ملموساً في حياة الناس، ويحظى بتقدير التاريخ قبل تقدير المعاصرين. فوزي لقجع، بمساره المتميز داخل حزب الأصالة والمعاصرة وفي الحكومة، يعيد الاعتبار لمفهوم “المسؤولية المرفوقة بالمحاسبة”، ويقدم درساً في كيف يكون العمل بصمت والنجاح بصخب الصدق والوضوح.

مقالات ذات صلة