الكونفيدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة: إفلاس 150 ألف مقاولة “مجزرة صامتة” تعطل محرك الاقتصاد الوطني
بمناسبة اليوم العالمي للمقاولات الصغرى الذي يصادف السابع والعشرين من يونيو، أطلقت الكونفيدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة نداء إنذار شديد اللهجة، داعية إلى “صحوة وطنية” لإنقاذ ما وصفته بـ “المحرك المعطوب” للاقتصاد الوطني. وأكدت الكونفيدرالية في بلاغ لها أن المقاولات الصغيرة جداً، التي تشكل القاعدة الأساسية لنسيج الإنتاج المغربي بنسبة تتجاوز 98% وتؤمن أكثر من نصف مناصب الشغل في القطاع الخاص، لا تزال تعاني من إقصاء منهجي وتهميش في السياسات العمومية، مما جعلها تعيش أزمة بقاء حقيقية كشفت عنها نتائج دراسة وطنية معمقة نُشرت في مارس 2026، مبرزة “مفارقة وطنية” كبرى تتمثل في كون الركيزة الأساسية للاقتصاد هي الأكثر استبعاداً من آليات التمويل والأسواق والمواكبة.
وترسم الأرقام التي أوردتها الكونفيدرالية صورة قاتمة لما وصفته بـ “المجزرة الصامتة”، حيث شهدت الفترة ما بين 2022 و2025 إفلاس 150 ألف مقاولة، 99% منها مقاولات صغيرة جداً، ما يعني ارتفاعاً مهولاً في حالات الإفلاس بنسبة 108% خلال أربع سنوات فقط، وبمعدل اختفاء مقاولة كل عشر دقائق خلال عام 2025. وتزداد حدة القلق مع كشف المعطيات أن 70% من هذه المقاولات لا تستطيع الصمود لأكثر من خمس سنوات، في ظل بيئة معادية هيكلياً تحرم أقل من 5% منها من الوصول إلى التمويل البنكي، وتجعل أكثر من نصفها يعاني من تأخيرات الأداء التي تتجاوز 90 يوماً، مع عجز في الأداء يقدر بـ 400 مليار درهم، فضلاً عن الضغط الجبائي المتصاعد والمنافسة غير المشروعة من القطاع غير المهيكل الذي يضم أكثر من مليوني وحدة إنتاج.
وفي تشخيصها للأزمة، حددت الكونفيدرالية سبعة عوائق هيكلية تخنق هذه المقاولات، تبدأ بالإقصاء من الطلبيات العمومية رغم الوعود القانونية بتخصيص حصة 20% لها، وهي الحصة التي تظل حبراً على ورق وتكلف المقاولات الصغيرة جداً ضياع 68 مليار درهم سنوياً، وصولاً إلى ضعف المواكبة الرقمية والتدبيرية وغياب التمثيلية الحقيقية في هيئات القرار الاقتصادي. وأمام هذا الوضع، لم تكتفِ الهيئة المهنية بالتشخيص، بل طرحت خطة عمل شاملة تتضمن 25 إصلاحاً استراتيجياً، من أبرزها إنشاء بنك وطني عمومي مخصص لهذه الفئة من المقاولات، واعتماد قانون “الأعمال الصغيرة المغربي” (Small Business Act)، ومراجعة النظام الضريبي، مع إحداث وكالة وطنية “Maroc TPE” ومرصد وطني لضمان حوكمة فعالة تتماشى مع طموحات النموذج التنموي الجديد بحلول عام 2035.
وفي خطوة استراتيجية لافتة، أعلن عبد الله الفركي، رئيس الكونفيدرالية، عن تأجيل المناظرة الأولى للمقاولات الصغيرة جداً إلى شهر نوفمبر 2026، في قرار سياسي يهدف إلى مخاطبة الحكومة المقبلة المنبثقة عن انتخابات سبتمبر. واعتبرت الكونفيدرالية أن تقديم حلولها وميثاقها لحكومة منتهية ولايتها أثبتت “عدم اهتمامها الهيكلي” بهذه الفئة، خاصة بعد تجاهل المقاولات الصغيرة جداً في صناديق دعم الاستثمار ومواثيق المقاولة الأخيرة، هو خطوة لا جدوى منها. وتراهن الكونفيدرالية في المرحلة المقبلة على انتزاع التزام حقيقي من السلطات التنفيذية الجديدة لتحويل المقاولات الصغيرة جداً من “محرك معطوب” إلى قاطرة حقيقية للتنمية، مؤكدة أن الاستثمار في هذه المقاولات هو استثمار في مستقبل المغرب واستقراره الاقتصادي والاجتماعي.



