إفطار رمضان فرصة لمراجعة الذات وبناء العمل الجماعي

في رسالة إلى الجمعويين في كاطلونيا خاصة وإسبانيا عامة

 

بقلم: سروري زكريا ء- ليريدا-

في شهر رمضان من كل سنة، يتم تنظيم موائد الإفطار الجماعي في مختلف مدن كاطلونيا وإسبانيا، حيث يتجدد لقاء أفراد الجالية في فضاءات دينية وثقافية واجتماعية تحمل في طياتها معاني التضامن والتقارب، غير أن هذه اللحظات الرمزية لا ينبغي أن تبقى مجرد مناسبات احتفالية عابرة، بل يجب أن تتحول إلى فرصة حقيقية للتأمل الجماعي ومراجعة مسار العمل الجمعوي داخل الجالية. فإفطار رمضان، بما يحمله من روح المشاركة والتكافل، يطرح سؤالاً أساسياً: ما الدور الحقيقي الذي يجب أن يلعبه العمل الجمعوي في خدمة الجالية وبناء مستقبل أبنائها؟.
أول درس ينبغي استحضاره في هذا السياق هو التصالح مع الذات الجماعية. فكثيراً ما يقع العمل الجمعوي في فخ البحث عن الاعتراف الخارجي أو انتظار التقييم الإيجابي من “الآخر”، سواء كان مؤسسة رسمية أو مجتمعاً أوسع، غير أن أي عمل جماعي صحي لا يمكن أن ينطلق إلا من قناعة داخلية بقيمة الذات وبقدرة الجماعة على البناء والعطاء.
فالاعتزاز بالانتماء الثقافي والإنساني ليس تعصباً أو انغلاقاً، بل هو شرط أساسي لبناء الثقة بالنفس، وهي الثقة التي تسمح بالانفتاح المتوازن على المجتمع المحيط.
وفي هذا الإطار، يصبح الاعتراف بالإخفاقات جزءاً من عملية النضج الجماعي، فالجاليات المهاجرة، مثلها مثل أي مجتمع بشري، تعرف نجاحات وإخفاقات، لكن الفرق بين جماعة حية وأخرى راكدة هو القدرة على التعلم من التجربة. فثقافة النقد الذاتي، حين تكون بنّاءة وغير شخصية، تسمح بتجاوز الأخطاء وتطوير العمل الجمعوي ليصبح أكثر نجاعة وتأثيراً، أما الهروب من الاعتراف بالضعف أو تعليق المسؤولية دائماً على الظروف الخارجية، فإنه يرسخ حالة من الجمود ويمنع أي تقدم حقيقي.
من هنا يبرز مبدأ أساسي: القيمة لا تُمنح من الخارج، بل تُصنع من الداخل، ومكانة أي جالية داخل مجتمع ما، لا تُقاس فقط بحجمها العددي، بل بقدرتها على التنظيم والعمل المشترك والإسهام الإيجابي في الحياة العامة. عندما تنتج الجالية مبادرات تعليمية وثقافية واجتماعية تخدم أبناءها وتفيد المجتمع ككل، فإن احترام الآخرين يأتي تلقائياً كنتيجة طبيعية وليس كهدف يُلاحَق. لذلك فإن انتظار التقدير الخارجي دون بناء قوة داخلية يشبه محاولة جني الثمار دون زرع الشجرة.
وهنا نصل إلى نقطة محورية في مستقبل العمل الجمعوي وهي الخروج من منطق الاتكالية، ذلك أن كثيرا من المبادرات الجمعوية تبدأ بحماس كبير لكنها تتعثر بسبب غياب الرؤية طويلة المدى أو الاعتماد المفرط على الدعم الخارجي. فالعمل الجمعوي الحقيقي يقوم على المبادرة الذاتية وعلى الاستثمار في الطاقات البشرية الموجودة داخل الجالية. فبين أفراد الجالية طاقات تعليمية ومهنية وثقافية كبيرة يمكن أن تتحول إلى مشاريع جماعية تخدم الجميع إذا وُجد التنظيم والإرادة.
إن خدمة الجالية وأبنائها يجب أن تكون البوصلة الأساسية لأي نشاط جمعوي. فالتحديات التي تواجه الأجيال الجديدة متعددة: الحفاظ على الهوية الثقافية، النجاح الدراسي والمهني، التفاعل الإيجابي مع المجتمع الإسباني، ومواجهة الصور النمطية أحياناً. هذه القضايا لا تُحل بالشعارات، بل عبر برامج عملية: دعم مدرسي، أنشطة ثقافية، فضاءات للحوار، ومبادرات تعزز المشاركة المدنية. فعندما يركز العمل الجمعوي على الإنسان وتنمية قدراته، فإنه يخلق أساساً قوياً لمستقبل أكثر استقراراً واندماجاً.
كما أن تقوية الروابط داخل الجالية لا تعني الانغلاق على الذات، بل العكس تماماً. فالجالية المنظمة والقوية تكون أكثر قدرة على بناء جسور التواصل مع المجتمع الأوسع. الجمعيات التي تنجح في خدمة أفرادها تصبح أيضاً شريكاً موثوقاً للمؤسسات المحلية والفاعلين الاجتماعيين. بهذا المعنى، يتحول العمل الجمعوي إلى مساحة تفاعل حضاري يثري الجميع.
ومن زاوية أعمق، يمكن النظر إلى هذا المسار باعتباره ممارسة فعلية للسياسة بمعناها النبيل. فالسياسة ليست فقط صراعاً حزبياً أو تنافساً انتخابياً، بل هي في جوهرها إدارة الشأن العام وخدمة الإنسان. عندما تعمل الجمعيات على نشر الوعي، وتعزيز قيم التضامن، والدفاع عن كرامة الأفراد، فإنها تمارس شكلاً راقياً من الفعل السياسي الذي يبني المجتمع بدلاً من أن يقسمه.
في هذا السياق، يمكن وصف العمل الجمعوي المسؤول بأنه عمل مجتمعي بالمعنى القيمي للكلمة: أي عمل يقوم على فكرة المواطنة والمصلحة العامة والالتزام الأخلاقي تجاه المجتمع. إنه عمل يسعى إلى بناء إنسان واعٍ بحقوقه وواجباته، قادر على المشاركة في الحياة العامة بثقة واحترام متبادل.
وفي النهاية، فإن موائد إفطار رمضان ليست فقط لحظات للتلاقي الاجتماعي، بل يمكن أن تكون أيضاً فضاءات لبناء رؤية مشتركة للمستقبل. حين يجتمع أفراد الجالية حول مائدة واحدة، فإنهم يجسدون رمزياً فكرة الجماعة المتضامنة والتحدي الحقيقي هو أن يتحول هذا الرمز إلى عمل يومي مستمر.
فالرسالة الأساسية واضحة: التصالح مع الذات، الاعتزاز بالانتماء، التعلم من الأخطاء، والعمل بجد لخدمة الجالية وأبنائها. عندها فقط يصبح العمل الجمعوي قوة حقيقية قادرة على صناعة القيمة وبناء مستقبل يليق بالأجيال القادمة.

مقالات ذات صلة