النخب ورهان استعادة الثقة وتخليق الحياة السياسية

 

بقلم : عبدالرحيم مستاوي

تعيش الحياة السياسية اليوم على وقع تحديات متزايدة، لعل أبرزها أزمة الثقة بين المواطن والمؤسسات التمثيلية، وهي أزمة لا ترتبط فقط بالبرامج أو الشعارات، بل تتعلق أساسًا بصورة النخب السياسية ومدى قدرتها على تجسيد قيم النزاهة والمسؤولية والالتزام الأخلاقي. فكلما اتسعت الهوة بين الخطاب والممارسة، تراجع منسوب الثقة، وازدادت مشاعر العزوف واللامبالاة تجاه الفعل السياسي.

إن تخليق الحياة السياسية لم يعد مجرد مطلب أخلاقي أو ترف فكري، بل أصبح ضرورة وطنية لضمان استقرار المؤسسات وتقوية المسار الديمقراطي. فالمواطن اليوم لا يبحث فقط عن وعود انتخابية، بل عن نموذج سياسي يحترم الذكاء الجماعي، ويجعل من خدمة الصالح العام أولوية فوق الحسابات الضيقة والمصالح الشخصية.

وفي هذا السياق، تتحمل النخب السياسية مسؤولية تاريخية في إعادة الاعتبار للعمل السياسي، من خلال القطع مع كل مظاهر الانتهازية والفساد الانتخابي واستغلال النفوذ، واعتماد ثقافة الكفاءة والاستحقاق وربط المسؤولية بالمحاسبة. كما أن استعادة الثقة تمر أيضًا عبر الإنصات الحقيقي لقضايا المواطنين، والتواجد الميداني، وتقديم خطاب صادق وواقعي بعيد عن الشعبوية والمزايدات.

إن النخب القادرة على صناعة الأمل ليست تلك التي تكثر من الكلام، بل التي تقدم نموذجًا في الالتزام والانضباط ونظافة اليد واحترام المؤسسات. فالممارسة اليومية هي التي تمنح السياسة معناها النبيل، وتجعل المواطن يشعر بأن صوته له قيمة وأن المشاركة السياسية قادرة على إحداث التغيير.

كما أن تخليق الحياة السياسية يقتضي تقوية الديمقراطية الداخلية داخل الأحزاب، وفتح المجال أمام الكفاءات والشباب والنساء، لأن تجديد النخب يظل شرطًا أساسيًا لتجديد الثقة. فالأحزاب التي لا تتجدد تفقد قدرتها على التأطير، وتتحول إلى هياكل جامدة بعيدة عن نبض المجتمع.

إن الرهان الحقيقي اليوم ليس فقط الفوز في الانتخابات، بل بناء ثقة مستدامة بين المجتمع والسياسة، لأن الأوطان لا تُبنى بالشعارات العابرة، وإنما بإرادة جماعية تؤمن بأن السياسة رسالة ومسؤولية وأخلاق قبل أن تكون مواقع ومكاسب.

مقالات ذات صلة