العودة إلى غرينتش: هدية وداع أم «Solde de tout compte» سياسي قبل الرحيل؟
في السياسة، قد تساوي الرمزية أحياناً أكثر مما تساويه القرارات نفسها. وقد يكون توقيت اتخاذ القرار أكثر دلالة من مضمونه. لذلك لم يكن مستغرباً أن يثير إعلان رئيس الحكومة العودة إلى توقيت غرينتش ابتداء من نهاية الصيف كثيراً من النقاش، ليس حول الساعة والتوقيت، بل حول الرسائل السياسية الكامنة وراء القرار.
فملف الساعة الإضافية لم يكن مجرد إجراء تنظيمي عابر، بل تحول على امتداد سنوات إلى أحد أكثر الملفات التصاقاً بالحياة اليومية للمواطنين. وقد ارتبط في الوعي الجماعي بمعاناة التلاميذ والأسر والموظفين، وبنقاشات لا تنتهي حول جدواه الاقتصادية والاجتماعية. ورغم الاحتجاجات والانتقادات المتكررة، استمرت الحكومات المتعاقبة في الدفاع عن هذا الاختيار، معتبرة أن مبرراته الاقتصادية تفوق كلفته الاجتماعية.
اليوم، وبعد سنوات من التشبث بهذا التوجه، يأتي قرار العودة إلى توقيت غرينتش. ومن حق المتتبع أن يتساءل: لماذا الآن؟ ولماذا لم يتم اتخاذ هذا القرار في وقت كانت فيه المطالب المجتمعية أكثر قوة وإلحاحاً؟
صحيح أن التراجع عن قرار سابق ليس عيباً في حد ذاته، بل قد يكون دليلاً على الشجاعة السياسية عندما يكون مبنياً على تقييم موضوعي للنتائج. لكن قيمة أي مراجعة تظل مرتبطة أيضاً بتوقيتها. فعندما يأتي التصحيح في نهاية الولاية الحكومية، يصبح من الطبيعي أن يختلط البعد التدبيري بالبعد الانتخابي، وأن تتعدد القراءات والتأويلات.
هناك من سيعتبر القرار انتصاراً لصوت المواطنين بعد سنوات من المطالبة بالعودة إلى التوقيت الطبيعي للمملكة. وهناك من سيرى فيه محاولة لتحسين الصورة السياسية للحكومة في الأمتار الأخيرة من عمرها. وبين القراءتين تبرز قراءة ثالثة أكثر نقدية، مفادها أن الأمر يشبه ما يسمى في عالم الشغل بـ«Solde de tout compte»، أي التسوية النهائية للحساب عند نهاية الخدمة.
فكأن الحكومة، وهي تستعد لمغادرة المشهد السياسي أو لطلب تجديد الثقة، اختارت أن تطوي أحد أكثر الملفات إثارة للجدل، وأن تقدم للمغاربة ما يشبه هدية الوداع الأخيرة. هدية قد تكون محبوبة لدى فئات واسعة من المواطنين، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤالاً بسيطاً ومحرجاً: إذا كان القرار صائباً اليوم، فلماذا لم يكن صائباً بالأمس؟
إن قيمة القرارات السياسية لا تُقاس فقط بمضمونها، بل أيضاً بقدرة أصحابها على اتخاذها في الوقت المناسب. لذلك فإن النقاش الحقيقي لا يتعلق بالساعة التي سنضبط عليها هواتفنا وساعاتنا مستقبلاً، بل بالزمن السياسي الذي احتاجته الحكومة للوصول إلى قناعة كان جزء كبير من المغاربة قد وصل إليها منذ سنوات.
قد يرحب المواطنون بالعودة إلى غرينتش، وقد يعتبرونها خطوة إيجابية طال انتظارها. لكن ذلك لا يمنع من طرح السؤال السياسي المشروع: هل نحن أمام استجابة متأخرة لمطلب شعبي، أم أمام «Solde de tout compte» سياسي أرادت الحكومة من خلاله إغلاق أحد الملفات المزعجة قبل مغادرة المسرح؟
الأيام وحدها كفيلة بالإجابة. أما المؤكد، فهو أن القرار سيُقرأ سياسياً بقدر ما سيُقرأ زمنياً، وأن عقارب الساعة ستظل شاهدة على واحدة من أكثر السياسات العمومية إثارة للنقاش في السنوات الأخيرة.
عبد الرحيم مستاوي



