يونس البحاري ونجل اجطيوي: هل ينتصر منطق المؤسسة الحزبية أم منطق “الضيعة الانتخابية”؟
عادت من جديد أسئلة “الجدوى” من العمل الحزبي وهياكل التنظيمات السياسية لتتصدر النقاش بإقليم تازة، عقب بروز مؤشرات قوية تضع نجل البرلماني السابق الغازي اجطيوي كأبرز المرشحين لنيل تزكية حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لخوض غمار الاستحقاقات المقبلة. هذا الطرح الذي يتم تداوله بقوة داخل كواليس “حزب الوردة” أثار موجة من التساؤلات حول المعايير التي تعتمدها الأحزاب في اختيار نخبها، خاصة وأن الشاب المعني لا يتجاوز عمره 21 سنة، ويفتقر لأي مسار نضالي أو تدرج في الهياكل التنظيمية للحزب، مما يجعل ترشيحه المحتمل يقرأ في سياق “الوراثة السياسية” وليس الكفاءة الميدانية.
وتذهب القراءات السياسية إلى أن الدفع باسم الابن يأتي كخطة بديلة من الأب الغازي اجطيوي، الذي يوصف بأنه “آلة انتخابية” قوية في المنطقة، لكنه يواجه عوائق قانونية بسبب ملف قضائي يمنعه من الترشح، وهو نفس الأب الذي ارتبط اسمه بواقعة سياسية مثيرة للجدل حين دفع بزوجته لرئاسة جماعة بني فراسن بعد مواجهة والدته، مما يعكس عقلية تعتبر المناصب الانتخابية شأنا عائليا خالصا.
هذا التوجه المحتمل نحو “توريث المقعد” يضع قيادة حزب الاتحاد الاشتراكي في حرج أمام قواعدها ومناضليها بالإقليم، خاصة في ظل وجود طاقات شابة أثبتت جدارتها في الميدان، وعلى رأسها الكاتب الإقليمي للحزب يونس البحاري. فالأخير، الذي تدرج في هياكل الحزب وناضل في صفوفه لسنوات، استطاع تحقيق نتائج مشرفة في انتخابات 2021، ويقدم نموذجا للشباب المكون والملتحم بقضايا الإقليم، وهو ما يطرح سؤال الجدوى من النضال الحزبي إذا كانت “التزكيات” تمنح في نهاية المطاف بناء على الألقاب العائلية ونفوذ الأعيان وليس على أساس الاستحقاق.
إن تغليب منطق العائلات السياسية، حيث يتبادل الآباء والأبناء والزوجات الأدوار والمناصب، يعد من أبرز الأعطاب التي تعرقل تطور الممارسة الديمقراطية في المغرب، ويسهم في إفراغ المؤسسات من محتواها التشريعي والرقابي، إذ كيف لشاب في مقتبل العمر، بلا تجربة سياسية، أن يشكل “قوة اقتراحية” داخل مجلس النواب أو يناقش ملفات معقدة تهم مستقبل البلاد؟
إن الوضع في تازة يختزل صراعا بين تيارين، تيار يرى في الأحزاب مجرد مظلات قانونية لشرعنة نفوذ الأعيان وحماية مصالحهم، وتيار ينادي بضرورة تقوية المؤسسات الحزبية عبر تمكين المناضلين الحقيقيين والنخب المثقفة. فالمغرب، الذي يواجه تحديات كبرى، يحتاج اليوم إلى برلمان يضم كفاءات قادرة على إنتاج الحلول، وليس إلى “ودائع عائلية” تحفظ فيها المقاعد إلى حين.
وفي حال استقرار الحزب على تزكية نجل اجطيوي وإقصاء البحاري، وهو شاب ومكون سياسيا، فإن ذلك سيبعث برسالة سلبية للشباب الطامح للعمل السياسي، مفادها أن الانتماء للعائلات النافذة هو الطريق الوحيد للوصول، مما يهدد بمزيد من العزوف ويهدم جسور الثقة بين المواطنين والمؤسسات المنتخبة، ويؤكد الحاجة الملحة لفك الارتباط بين العمل الحزبي النبيل وبين منطق “الضيعات الانتخابية” التي يدبرها الأعيان.
ويبقى تشجيع الشباب والنساء على ولوج المؤسسات المنتخبة خيارا استراتيجيا للمملكة، لكن شريطة أن يكون “الاستحقاق” هو الفيصل.
وهكذا، فإن ترشيح نجل الغازي اجطيوي يضع حزب الاتحاد الاشتراكي أمام مسؤولية تاريخية: هل سيظل وفيا لتاريخه كمدرسة لتخريج المناضلين والمثقفين، أم سينصاع لمنطق “الأعيان” الذي يفرغ العمل السياسي من نبله ويجعل من الأحزاب مجرد “دكاكين” انتخابية تفتح أبوابها لمن يملك “الخزان الانتخابي” لا لمن يملك “الرؤية السياسية”؟



