ما بعد الانتخابات التشريعية

بعدما أدلى الناخبون المغاربة باختياراتهم بين مختلف الأحزاب السياسية، فيما يمكن اعتباره أهم انتخابات تشريعية لما ينتظر المملكة من تحديات، يبدو أن التحليلات والأبحاث من مختلف الميادين ستتخذ مكانا في المشهد العام، حيث يسلط الباحثون الضوء على الأسباب الأعمق وراء قرار التصويت لهذا المرشح أو الحزب أو ذاك، أو حتى نسبة المشاركة أو صعود هذا الحزب أو فشل الآخر في استمالة المواطنين أو على الأقل ما مدى قدرة الأحزاب في تأطير المواطنين.

فبعد أسابيع مرت قصف فيها الساسة الناخبين برسائل متناقضة ووعود سياسية تخص التعليم والصحة والوضع الاجتماعي والاقتصادي وقضايا أخرى مهمة في حياة المواطنين، على أمل أن يمنحهم صندوق الاقتراع النصر والتقدم، إلا أن هناك عوامل أخرى غير واعية تجعل بعض الناخبين يميلون نحو جانب أو آخر؛ بدأت الآن الحوارات بين الأحزاب فيما بينهم سواء للبحث عن الاختلالات أو الكشف عن التبريرات.

والمتتبع للمشهد السياسي المغربي والتغيرات في المواقف يجعله يعتقد أن الناخبين يمكن أن يتأثروا دون وعي من خلال تعرضهم لأفكار أو عناصر تثير شعورهم بالخيبة وهو الذي فسره علماء النفس الأمريكيون من خلال دراسة سلوك الناخبين الذين يشعرون بالخيبة، هذا الشعور يجعلهم يميلون إلى أن يكونوا محافظين سياسيا، كما يرى باحثون آخرون أن التصويت هو وسيلة للكثيرين لتعزيز إحساسهم بأنفسهم أو انتمائهم إلى فئة اجتماعية معينة.

ليس من الواضح دائمًا كيف ستؤثر سياسة معينة على الاهتمامات الخاصة للمواطن وبالتالي قد يكون من الصعب إدراك أن دعم مرشح معين يعزز هوية الناخب الخاصة، لذلك، يرى في الأساليب التقليدية للتنبؤ بالأصوات، بناء على ما يرتبط بالسياسة، غير كافية لأنها لا تعكس حقًا كيفية اختيار الناخبين لمرشحهم. وبدلا من ذلك، فإنها تشير إلى أن التفضيلات السياسية والتفضيلات المتعلقة بالهوية في تقاطع دائم فبعض الناخبين يتأثرون بقضايا الهوية، والبعض الآخر بالقضايا السياسية. وهل يمكن لهذه التفضيلات أو القضايا أن تتقاطع فيما بينها؟ إن صح الأمر فإن السلوك الانتخابي سيكون مرتبكا.

ثم من جهة أخرى فإن ما شهدناه في الحملات الانتخابية طيلة الفترة الأخيرة عندما يؤكد المرشحون على عيوب خصومهم، فإنهم يستطيعون زيادة نسبة إقبال مؤيديهم أو حتى نفور البقية عن المشاركة في العملية الانتخابية، هذا النفور الذي ربما يمكن أن يكون دافعا للتصويت بالنسبة لفئة أخرى. إن عدم تقبل المرشح بين قوسين هي التي تحفز الفرد على المشاركة أو على عدم المشاركة، والأبحاث المكرسة على مدى الثلاثين عامًا الماضية لعلم النفس قدمت بعدين أساسيان: التوجه والكثافة؛ إلى أن أصبحوا أمرا واقعا المهم في المواقف السياسية والسلوك الجماعي للناخبين.

والسلوك الجماعي للناخبين، أو الموقف السياسي بشكل عام هي الطريقة التي يقوم الأفراد من خلالها بتقييم الحقائق الخاصة بالحياة السياسية، أي المشاكل اليومية للمواطنين، الجهات الفاعلة في الحياة العامة، والحوادث التي تميز الصراعات السياسية. ومع ذلك، فإن أسلوب الناخب في تحديد رد الفعل يتميز بسمتان سياسيتان تمثلان نوعية الاستمرارية والارتباط ثم التماهي مع الحزب إلى حدود المشاركة السياسية.

وبالتالي فكون الحزب جزء من هوية الفرد يرتبط بشعور التعلق باسم ورموز الحزب السياسي، وهو تقبل الحزب كمجموعة مرجعية إيجابية، حيث يكون تحديد الهوية ليس مرادفا للانتماء؛ بل هو التصرف النفسي الذي قد يكون أو لا، على أن تكون مصحوبة بالدعم أو المقاطعة، نفترض من حيث المبدأ أن أي مواطن له مواقف سياسية بشكل أو بآخر أو بمعنى معين حزبية، فمن خلال وجود أو عدم وجود شعور بالارتباط بحزب معين دون غيره في نقطة معينة في الفضاء السياسي؛ وهو ما يجعل التساؤل دائما حول قياس التوجهات والمواقف السياسية الأساسية في كثير من المواقف يفرض البحث واكتشاف العلاقة بين الفرد والحزب، يجب أن نتوقع رؤية الناخبين في أقصى الحدود وتحديد الهوية مع المشاركة السياسية.

ختاما، من أجل حياة سياسية صحية إن صح القول في قادم المناسبات وهو المطلوب، فإن العمل الحزبي والبرلماني يتطلب المزيد أو الكثير من الاجتهاد، لأن استمرار الوضع على ما هو عليه فحسب التقديرات ربما سيؤدي إلى المزيد من الركود في المشهد الحزبي خصوصا والحياة السياسية عموما.

الحفيرة يوسف

دكتور في العلوم القانونية والسياسية

مقالات ذات صلة