قراءة سوسيولوجيا في فعاليات المنتدى الوطني للمدرس في نسخته الثانية
في سياق انعقاد المنتدى الوطني للمدرس في نسخته الثانية، يومي 25 و26 مارس بالرباط، تحت شعار “المدرس في قلب التحول التربوي”، يفرض الواقع التربوي بالمغرب طرح مجموعة من الملاحظات النقدية التي تستهدف مساءلة هذا الحدث في أبعاده التنظيمية والرمزية والوظيفية، بعيدا عن الخطاب السيولي الاحتفالي الذي يطغى عليه.
أولى هذه الملاحظات تتجلى في غياب معايير واضحة وشفافة في اختيار من يمثل الشغيلة التعليمية داخل هذا المنتدى، وهو ما يطرح إشكالا حقيقيا على مستوى النزاهة والمصداقية والموضوعية، إذ لم يتم توضيح المعايير التي تم اعتمادها في انتقاء المنتدبين والمنتدبات، مما يجعل تمثيلية المدرسين تمثيلية ملتبسة، لا تعكس بالضرورة التنوع الحقيقي داخل الجسم التعليمي ولا تعبر عن انتظاراته الفعلية.
ثانيا: يبدو أن هذا المنتدى لا يعكس الصورة الواقعية للأوضاع المزرية التي تعيشها المدرسة العمومية في المغرب، بقدر ما يساهم في إعادة إنتاج نفس الوضع القائم، وفق ما يمكن استحضاره من تحليل عالم الاجتماع بيير بورديو حول آليات إعادة الإنتاج الاجتماعي، فالمنتدى بدل أن يكون لحظة نقد ومراجعة، يتحول إلى فضاء لإعادة تدوير نفس الخطابات الفضفاضة والسياسات الفوقية، دون مساءلة عميقة لبنيات الاختلال.
ثالثا: لا يظهر المنتدى كفضاء حقيقي للحوار البناء بقدر ما يتخذ طابعا ضبطيا، يتم من خلاله تمرير المقاربة الفوقية التي نهجتها الدولة وما تزال تنهجها في تدبير الشأن التعليمي. وهو ما يفرغ مفهوم “الحوار” من مضمونه التشاركي، ليصبح مجرد آلية شكلية لتزكية قرارات جاهزة سلفا.
رابعا: يمكن النظر إلى هذا المنتدى باعتباره امتدادا لسلسلة من المخططات السياسية الممنهجة، الرامية إلى احتواء وامتصاص الغضب المتراكم داخل القطاع التعليمي، وبذلك يتحول المنتدى إلى أداة لتدبير الأزمة بدل حلها، وإلى وسيلة لإعادة إنتاج التوازن الهش داخل المنظومة.
خامسا: يندرج هذا المنتدى ضمن توجه عام يسعى إلى تفريغ المدرسة العمومية من جوهرها ووظيفتها التربوية العميقة، عبر التركيز على مقاربة تقنوية وشكلية تختزل الإصلاح في الإجراءات والتدابير التنظيمية. وكأن لسان حال الوزارة يقول: “نحن ننظم ونقنن… إذن نحن نصلح”، في حين أن جوهر الأزمة يظل بعيدا عن المعالجة الحقيقية المرتبطة بالبعد القيمي والبيداغوجي والاجتماعي للمدرسة.
سادسا: يمكن القول إن هذا المنتدى يكرس شكلا من أشكال “العنف الرمزي” بتعبير بيير بورديو، حيث يتم تقديم صورة منمقة عن واقع التعليم، في مقابل تهميش الأصوات النقدية الحقيقية داخل الميدان، مما يعمق الفجوة بين الخطاب الرسمي والتجربة الاجتماعية المدرسية للأستاذ وللتلميذ على حد تعبير السوسيولوجي فرانسوا ديبي.
وفي امتداد لهذه الملاحظات، يبرز مثال دال يرتبط ببعض الأوجه التي تم اختيارها داخل المنتدى لتمرير خطابات تفتقر إلى الدقة العلمية، حيث منحت الكلمة لمختص اجتماعي دون وضوح في معايير اختياره، وقد أدلى بتصريحات تستدعي التحليل وفق منهجية تحليل الخطاب في العلوم الاجتماعية:
أولا: مرر زميلنا مجموعة من المغالطات التي تمس التاريخ النضالي للإطار، حين اختزل مسار المختص الاجتماعي في لحظة تنظيمية ضيقة، متجاهلا أن هذا الإطار رغم حداثته، كان له حضور قوي وفاعل في الحراك التعليمي لسنة 2023 بالمغرب، بحيث انخرطت المختصات والمختصين الاجتماعيين بالمغرب، منذ التحاقهم بالمؤسسات التعليمية، في مسار نضالي واضح للدفاع عن هويتهم المهنية، خاصة في ظل ما تعرضوا له من شطط في استعمال السلطة داخل بعض المؤسسات، ما يعني أن اختزال هذا المسار في خطاب تقنوي يعد تشويها لذاكرة مهنية جماعية بنيت على أسس علمية وميدانية.
ثانيا: تتجلى مغالطات أخرى في عدم الإلمام الدقيق بالمهام المنوطة بالمختص الاجتماعي كما تؤطرها المادة 15 من المرسوم رقم 2.24.140، حيث تم اختزالها في التنشيط والمواكبة فقط، في حين أن هذه المهنة تقوم على تدخلات مركبة تشمل التشخيص، والمواكبة الفردية والجماعية، والعمل المؤسساتي، والتنسيق مع مختلف الفاعلين. إن هذا الاختزال يعكس فهما سطحيا لوظيفة ذات امتداد علمي ومنهجي واضح.
ثالثا: أغفل زميلنا إحدى الملفات التي شكلت جوهر المسار النضالي للإطار، والمتعلقة بجدول الحصص الذي كان يضم 38 ساعة أسبوعيا، وتمت مراجعته إلى 21 ساعة بالتأهيلي و24 ساعة بالإعدادي نتيجة نضال طويل خاضه المختصين الاجتماعيين الاجتماعيون، دفاعا عن شروط عمل منسجمة مع طبيعة تدخلهم.
رابعا: في ضرورة التصويب المعرفي والمهني
انطلاقا من ذلك، يصبح من الضروري، كمناضلين داخل هذا الإطار، توضيح بعض الأمور لزميلنا، لعل في ذلك فائدة وتصويبا للمسار. فالمختص الاجتماعي مدعو إلى الاطلاع العميق على فلسفة العمل الاجتماعي المدرسي، بما يتيح له إدراك أن مهامه لا يمكن اختزالها في أبعاد تقنوية أو إجرائية ضيقة.
وفي هذا السياق، يجدر التذكير بأن عددا من المختصات والمختصين الاجتماعيين عبروا عن رفضهم لما سمي زورا وبهتانا بالورشات النفسية والاجتماعية في إطار مشروع “مدارس الريادة”، على اعتبار أنها لا تمس جوهر الإشكالات الحقيقية، سواء المرتبطة بالتلميذ أو بالإطار ذاته، كما أنها لا تستند إلى مرجعية علمية واضحة في مجال الخدمة الاجتماعية المدرسية، بل إن هذه الممارسات تضع المختص الاجتماعي أمام انزلاق خطير في هويته المهنية، من خلال إفراغها من خلفيتها النظرية المؤسسة على السوسيولوجيا، وعلم النفس، والفلسفة، وهي تخصصات تهدف أساسا إلى فهم المعيقات النفسية والاجتماعية والصحية التي تؤثر على المسارات التعلمية، وليس إلى إنتاج أنشطة شكلية تفتقر للعمق.
كما أن الاطلاع على بعض الكراسات المرتبطة بهذه الورشات يكشف عن مضامين سطحية وعناوين أقرب إلى البهرجة والفلكلرة، دون مراعاة لخصوصيات الإطار أو لحاجيات الفئة المستهدفة، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول جدوى هذه المقاربات.
وفي هذا الإطار، فإن الصمت عن هذه الاختلالات أو تمريرها دون نقاش نقدي، لا يخدم لا الإطار المهني ولا المدرسة العمومية، بل يساهم في تكريس نفس الأعطاب التي يفترض تجاوزها.
عموما، فإن المنتدى الوطني للمدرس بدل أن يشكل لحظة نقد ومراجعة حقيقية للسياسات التربوية، يظل أقرب إلى فضاء لإعادة إنتاج التمثيلية المغشوشة وترسيخ الخطاب التقنوي والتقاط الصور والسيلفيات، بما يكرس الفجوة بين الخطاب الرسمي وواقع المدرسة العمومية.
المختص الاجتماعي عبد العزيز المنصوري ⵄⴱⴷⵍⵄⵣⵉ ⵍⵎⵏⵚⵓⵔⵉ.



