في سياق الطريق الرابع: إعادة التفكير في “لعبة” الأغلبية والمعارضة في المغرب
ليست لعبة الأغلبية والمعارضة في المغرب مجرد توزيع تقني للأدوار داخل البرلمان، بل هي مرآة لمدى حيوية النسق السياسي وقدرته على تحويل الاختلاف إلى تنافس مؤطر داخل مؤسسات الدولة. غير أن خصوصية التجربة المغربية في ظل دستور 2011، تجعل هذه اللعبة أكثر تعقيدًا من مجرد ثنائية عددية بين غالب ومغلوب.
فالمغرب راكم إصلاحات مؤسساتية مهمة منذ مطلع الألفية، وتعزز المسار مع إصلاح 2011 الذي وسّع صلاحيات الحكومة والبرلمان، ونصّ على ربط المسؤولية بالمحاسبة، وأقرّ آليات الديمقراطية التشاركية. ومع ذلك، يكشف النقاش العمومي استمرار فجوة بين النص والممارسة، بين الديمقراطية المعيارية والديمقراطية الواقعية، بالمعنى الذي صاغه روبرت دال في مفهوم “البولياركية Polyarchie”حيث لا يكفي وجود التعددية والانتخابات لضمان جودة التمثيل وفعالية المشاركة.
أولاً: لعبة الأغلبية والمعارضة في السياق المغربي
تتسم الأغلبية الحكومية في التجربة المغربية بطابع ائتلافي متعدد الأحزاب، ما يجعل الانسجام البرنامجي تحديًا دائمًا، ويحوّل التوافق إلى شرط للاستقرار. أما المعارضة، فتجد نفسها أحيانًا بين خطاب نقدي مرتفع السقف وبدائل غير مكتملة الصياغة.
الإشكال لا يتعلق بشرعية المؤسسات، بل بفعالية الوساطة الحزبية. فالتعددية قائمة قانونيًا، لكنها تعاني من هشاشة التجذر الاجتماعي. وكما أشار موريس دوفيرجيه، فإن قوة الأحزاب لا تُقاس بعددها، بل بمدى حضورها المجتمعي وتنظيمها الداخلي.
وهنا تتبدى المفارقة المغربية: تعددية واسعة مقابل ضعف في التأطير المستمر؛ حضور مكثف في الحملات الانتخابية مقابل خفوت بين الاستحقاقات؛ تنافس انتخابي نشيط يقابله تراجع في العمل القاعدي اليومي.
ثانياً: المجال العمومي والتحول الرقمي
شهد المغرب خلال السنوات الأخيرة انتقال جزء كبير من النقاش السياسي إلى الفضاء الرقمي. شبكات التواصل الاجتماعي أصبحت ساحة للتعبير عن التذمر أو النقد أو الاحتجاج الرمزي. هذا التحول يعكس حيوية المجتمع، لكنه يكشف في الآن ذاته أزمة وساطة: المواطن يتكلم، لكن من يؤطر صوته؟ من يحوله إلى اقتراح سياسي منظم داخل المؤسسات؟
إن ما نعيشه ليس أزمة معارضة بالمعنى الضيق، بل أزمة ثقة ومعنى. المواطن قد لا يرفض السياسة في ذاتها، لكنه يشكك في جدواها العملية. وهنا يكمن الخطر: ليس في قوة الأغلبية، ولا في ضعف المعارضة، بل في احتمال فراغ السياسة من مضمونها التمثيلي.
ثالثاً: الطريق الرابع كأفق إصلاحي مغربي
في هذا السياق يبرز ما نسميه بـ “الطريق الرابع”
ليس حزبًا جديدًا، ولا اصطفافًا ظرفيًا، بل رؤية لإعادة بناء العلاقة بين المجتمع والسياسة ضمن الثوابت الدستورية للمملكة، وفي أفق تعميق الإصلاح المؤسساتي.
إذا كان:
• الطريق الأول هو هيمنة عددية بلا تنسيق،
• الطريق الثاني هو معارضة احتجاجية بلا بدائل وأحيانا بلا قيادات،
• الطريق الثالث هو توافقات موسمية، نخبوية مغلقة،
فإن الطريق الرابع يقترح إعادة بناء السياسة من الأسفل، عبر تفعيل الوساطة، وتوسيع المشاركة، وربط المسؤولية بالمحاسبة فعليًا لا شكليًا، من دون أن ننسى النهوض بالأوضاع الحقوقية والاجتماعية ل “الحاشية السفلى”.
رابعاً: مقترحات الطريق الرابع في الخصوصية المغربية
*تفعيل الديمقراطية التشاركية المنصوص عليها دستوريًا
بجعل آليات العرائض والملتمسات التشريعية أدوات فعلية للتأثير، لا مجرد مقتضيات شكلية.
*تحويل الأحزاب إلى مدارس للمواطنة
عبر التكوين السياسي المستمر، وتأهيل المنتخبين، وربط العمل المحلي بالبرنامج الوطني.
*إعادة ربط الجامعة بالحياة السياسية
من خلال فضاءات حوار تجمع الباحثين والمنتخبين والمجتمع المدني، بما يعزز النقاش العمومي العقلاني في أفق قريب من تصور “”هابرماس” للفضاء العمومي، حيث يتأسس الرأي العام على التداول العقلاني لا على الاستقطاب الانفعالي.
*تجديد النخب على أساس الكفاءة لا الولاء
بتكريس الشفافية داخل الأحزاب، وفتح المجال أمام الشباب والنساء والكفاءات الجهوية.
*تعزيز الثقة عبر سياسة القرب
لأن التحدي في المغرب ليس فقط دستوريًا، بل اجتماعي تنموي، مرتبط بانتظارات المواطنين في مجالات تتعلق بالبنيات الأساسية: الشغل والصحة والتعليم والعدالة المجالية.
*بين الديمقراطية الشاملة والديمقراطية الواقعية
كما يميز روبرت دال بين المثال والواقع، فإن التجربة المغربية تواجه تحدي تقليص المسافة بين النص والممارسة. فالمؤسسات قائمة، والانتخابات دورية، والتعددية حاضرة، لكن الرهان الحقيقي يتمثل في جودة الأداء، وعمق المشاركة، وفعالية المحاسبة.
الديمقراطية في المغرب ليست مشروعًا مكتملًا، بل ورشًا مفتوحًا. وهي لا تواجه خطر الانهيار بقدر ما تواجه خطر التآكل البطيء للثقة.
خامسا: الجامعة الشعبية ورهان التنوير في تجديد النقاش العمومي
في سياق البحث عن “الطريق الرابع”، لا يمكن إغفال الدور الذي يمكن أن تضطلع به المبادرات المدنية ذات الطابع التكويني والتنويري، وفي مقدمتها تجربة الجامعة الشعبية المغربية UPM، باعتبارها فضاءً وسيطًا بين العدالة المعرفية والمجتمع.
فالجامعة الشعبية المغربية UPM، في تصورها، ليست مؤسسة تعليمية موازية، بل مختبرًا للنقاش العمومي الرصين لصناعة الأفكار والمقترحات، والنهوض بالتوعية ودمقرطة الحق في المعرفة. وهي كذلك جسرًا بين الباحثين والفاعلين السياسيين والمجتمع المدني والمواطنين. إنها تسعى إلى إعادة الاعتبار للسياسة بوصفها شأنًا عموميًا عقلانيًا، لا مجرد صراع انتخابي ظرفي.
*التنوير كوظيفة مدنية
تساهم الجامعة الشعبية المغربية في نشر ثقافة دستورية ومواطِنة، عبر تبسيط المفاهيم السياسية Vulgarisation des concepts politiques ، وشرح التحولات المؤسساتية، وفتح نقاشات حول قضايا الديمقراطية والتفاوتات الاجتماعية والعدالة المجالية والتنمية.
وهذا الدور ينسجم مع الرؤية التي تجعل من الفضاء العمومي مجالاً للنقاش العقلاني، كما نظّر له يورغن هابرماس، حيث لا تُبنى الشرعية فقط عبر الانتخابات، بل عبر التداول العمومي الواعي.
*إعادة الاعتبار للمعرفة في الفعل السياسي
أحد أعطاب الممارسة السياسية يتمثل في ضعف الصلة بين القرار العمومي والمعرفة العلمية. هنا يمكن للجامعة الشعبية المغربية أن تؤدي وظيفة تأطيرية، عبر تنظيم ندوات ومناظرات ولقاءات ثقافية تجمع الأساتذة الجامعيين والمنتخبين والفاعلين المدنيين، بما يعزز جودة النقاش ويحد من الشعبوية والتبسيط المخل.
فالمجتمع الذي لا يستثمر في الوعي السياسي، يترك المجال مفتوحًا أمام التفاهة و الخطاب الانفعالي أو الاختزال الإيديولوجي. أما المجتمع الذي يراكم المعرفة، فإنه يرفع منسوب المساءلة العقلانية ويقوي ثقافة المحاسبة بكل مسؤولية وتقدير.
*التثقيف السياسي كشرط للثقة
إن أزمة الثقة التي يعرفها المجال السياسي لا تُعالج فقط عبر إصلاحات قانونية، بل كذلك عبر إعادة بناء المعنى. والتثقيف السياسي المستمر يساهم في تمكين المواطن من فهم آليات الاشتغال المؤسساتي، والتمييز بين المسؤوليات، وتقييم الأداء بعيدًا عن التعميم أو العدمية.
بهذا المعنى، تشكل الجامعة الشعبية المغربية رافعة مكمّلة للأحزاب والمؤسسات ومنظمات المجتمع المدني، لا بديلًا عنها؛ فهي تشتغل في منطق الإسناد، لا المنافسة، وتسعى إلى الارتقاء بالنقاش العمومي من مستوى الانفعال إلى مستوى الحجاج العقلاني.
سادسا: الجامعة الشعبية والطريق الرابع
إذا كان الطريق الرابع يدعو إلى إعادة بناء السياسة من الأسفل، فإن الجامعة الشعبية المغربية تمثل أحد تجلياته العملية:
• عبر خلق فضاءات للحوار المنتظم؛
• عبر إشراك الشباب والنساء في النقاشات العمومية؛
• عبر تحويل المعرفة إلى قوة اقتراحية؛
• وعبر المساهمة في صناعة رأي عام مستنير.
فالديمقراطية لا تتقوى فقط بالمؤسسات، بل كذلك بثقافة ديمقراطية حية. والجامعة الشعبية المغربية، في هذا الأفق، ليست مجرد إطار تنظيمي، بل مشروع تنويري (عمره اليوم 10 سنوات) يروم إعادة المعنى إلى الفعل السياسي، وتجديد الثقة في إمكانية الإصلاح من داخل النسق الوطني.
كلمة أخيرة:
إن إعادة التفكير في لعبة الأغلبية والمعارضة لا تعني التشكيك في المسار، بل تعميقه. والطريق الرابع هو دعوة للانتقال من سؤال : من يدبّر الشأن العام؟ إلى سؤال كيف نرسّخ دمقرطة المؤسسات في إطار الثوابت الوطنية ودينامية إصلاح متواصلة؟
فالديمقراطية لا تضعف فقط حين تُقمع، بل حين تفقد معناها لدى المواطنين. وإعادة هذا المعنى هي المهمة الكبرى للمرحلة المقبلة/ مغرب المستقبل.
يتبع
المصطفى المريزق
فاعل مدني، مؤسس الطريق الرابع



