فنزويلا والنفط: ساحة متقدمة في الحرب الأميركية على الصين

ليس من الضروري أن يعتقل الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو فعليا، أو يقتاد مكبل اليدين إلى محكمة فدرالية في مانهاتن، حتى نفهم الرسالة. الرسالة أوضح من ذلك بكثير: كل من يخرج عن بيت الطاعة الأميركي يعاد ترويضه، إما بالقوة الناعمة أو بالقوة الخشنة.

الولايات المتحدة لا تخوض صراعاتها بدافع الأخلاق أو القانون الدولي، بل بدافع واحد ثابت: المصلحة الإستراتيجية. وفنزويلا، بما تملكه من واحد من أكبر احتياطيات النفط في العالم، لم تكن يوما خارج هذا الحساب.

واشنطن تدرك أن معركتها الحقيقية في بكين؛ فالصين اليوم ليست مجرد منافس اقتصادي، بل هي تهديد شامل للنظام المالي والتجاري الذي بنت عليه الولايات المتحدة هيمنتها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

استطاعت الصين بناء اقتصاد عملاق، «مصنع العالم»، وتسيطر تقريبا على معظم المعادن النادرة، وأصبحت تجارتها تطوق القارات، وبنت شراكات إستراتيجية تمتد من أفريقيا إلى أميركا اللاتينية. كل ذلك جعل من الصين الخصم الأول لواشنطن، بلا منازع. من هنا، يصبح النفط سلاحا لا يقل خطورة عن الصواريخ.

الولايات المتحدة تعرف أن ضرب الصين عسكريا خيار كارثي، لذلك تتجه إلى حرب غير كلاسيكية: حرب الإمدادات وحصار شرايين الطاقة.

ضمن هذا الصراع، تتحول الطاقة إلى سلاح إستراتيجي. الصين تعتمد بشكل كبير على استيراد النفط والغاز لتغذية اقتصادها، بينما تدرك الولايات المتحدة أن أي اضطراب طويل الأمد في إمدادات الطاقة سيصيب بكين في صميم قدرتها على الاستمرار في النمو.

لذلك، لا يبدو مستغربا أن تركز واشنطن على مناطق إنتاج النفط الأساسية، وعلى الممرات البحرية الحيوية التي تمر عبرها هذه الإمدادات، من مضيق هرمز إلى باب المندب، ومن الخليج العربي إلى أميركا اللاتينية.

فنزويلا، بما تملكه من احتياطي نفطي هائل يعد من الأكبر عالميا، تشكل عنصرا محوريا في هذه المعادلة. لعقود، ظلت هذه الثروة خارج السيطرة الأميركية الكاملة بسبب خيارات سياسية اتخذتها كاراكاس، وبسبب انفتاحها على شراكات مع خصوم واشنطن، وفي مقدمتهم الصين وروسيا. بكين، من جهتها، ضخت استثمارات وقروضا ضخمة في فنزويلا مقابل الحصول على النفط وضمان نفوذ طويل الأمد في القارة الأميركية الجنوبية.

لكن من منظور واشنطن، هذا الوضع غير مقبول في لحظة احتدام الصراع الدولي. إعادة إدخال النفط الفنزويلي ضمن الفضاء الاقتصادي الأميركي تعني ضرب أكثر من هدف في آن واحد؛ فهو أولا يحرم الصين من مصدر طاقة مهم ومن أداة نفوذ مالي، وثانيا يؤمن للولايات المتحدة موردا إضافيا يعزز أمنها الطاقي في صراعها الإستراتيجي مع بكين.

التاريخ الأميركي حافل باستخدام القانون والعقوبات والمؤسسات الدولية أدوات سياسية. فالاتهامات، ومذكرات التوقيف، والمحاكمات العابرة للحدود ليست دائما مجرد مسارات قضائية، بل رسائل سياسية موجهة لحلفاء وخصوم على حد سواء. الرسالة الأساسية واضحة: السيادة ليست مطلقة عندما تتقاطع مع المصالح العليا للقوة العظمى.

في هذا الإطار، تصبح إيران حلقة موازية في السلسلة نفسها. فهي حليف إستراتيجي للصين، ومورد مهم للطاقة، ومتحكمة بأحد أهم الممرات البحرية في العالم. أي مواجهة واسعة معها ستؤدي حتما إلى اضطراب في أسواق النفط العالمية، وهو سيناريو تستعد له واشنطن عبر تنويع مصادرها وتأمين بدائلها، بينما ستكون الصين أكثر عرضة للتأثر بتداعياته.

السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل ستتأثر الولايات المتحدة بحرب طاقة عالمية؟ الإجابة الواقعية هي نعم، ولكن بدرجة أقل من منافسيها. فواشنطن تمتلك إنتاجا محليا كبيرا، ومخزونا إستراتيجيا، وقدرة على الوصول إلى مصادر متعددة، في حين تعتمد الصين بشكل أكبر على الاستيراد وعلى ممرات بحرية قابلة للاشتعال في أي لحظة توتر.

العالم اليوم يعيش مرحلة انتقالية صعبة، تتراجع فيها قواعد قديمة وتتشكل موازين جديدة. الصراع الأميركي-الصيني ليس حدثا عابرا، بل مسارا طويلا سيعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات.

وفي قلب هذا المسار، ستظل الطاقة عنصر الحسم الأبرز، وستظل الدول الغنية بالموارد، مثل فنزويلا، ساحات مفتوحة لتجاذبات القوى الكبرى، مهما تغيرت الوجوه والشعارات.

حسن قديم

مدير موقع الميدان بريس

مقالات ذات صلة