دراسة أكاديمية بجامعة ابن طفيل تدعو إلى توظيف الصناعات الثقافية والإبداعية لتعزيز الجاذبية الترابية وتحقيق التنمية المستدامة

احتضنت كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، يوم الثلاثاء 21 يوليوز 2026، مناقشة رسالة ماستر في إطار الماستر المتخصص “مهن الإعلام والصناعة الثقافية”، تقدم بها الباحث نور الدين بوكراب، تحت عنوان:

“الصناعات الثقافية والإبداعية: آلية لتعزيز الجاذبية الترابية. المهرجان الدولي للرحل بمحاميد الغزلان نموذجًا – دراسة وصفية تحليلية.”

وقد ناقشت الرسالة لجنة علمية مكونة من الأستاذ الدكتور مصطفى النعيمي رئيسًا، والدكتور مولاي الحبيب صبري العلوي مشرفًا ومقررًا، إلى جانب السادة الأساتذة أعضاء اللجنة، حيث نالت الرسالة ميزة “حسن جدًا”، مع التوصية بنشرها في كتاب بعد إدخال التعديلات العلمية المقترحة، تقديرًا لقيمتها العلمية وأصالتها المنهجية.

الثقافة كرافعة للتنمية الترابية

انطلقت الدراسة من إشكالية مركزية تتمثل في بحث الكيفية التي تساهم بها الصناعات الثقافية والإبداعية، عبر المهرجانات والتظاهرات الثقافية، في تعزيز الجاذبية الترابية بالمجالات الصحراوية والواحية، من خلال دراسة حالة المهرجان الدولي للرحل بمحاميد الغزلان.

واعتمدت الدراسة على إطار نظري يجمع بين نظرية الموارد الترابية لبرنار بيكور، ومقاربة الاقتصاد الثقافي لديفيد ثروزبي، ونظرية الرأسمال الترابي لروبرتو كاماني، إلى جانب مقاربات المجال المنتج والإشعاع المجالي، بهدف تفسير العلاقة بين الثقافة، والهوية الترابية، والتنمية المحلية.

وأكدت الدراسة أن الثقافة لم تعد مجرد نشاط احتفالي أو ترفيهي، بل أصبحت موردًا استراتيجيًا قادرًا على إنتاج القيمة الاقتصادية والاجتماعية والرمزية، متى جرى تثمينها ضمن رؤية تنموية متكاملة.

من التراث الكامن إلى المورد الترابي

وأبرزت نتائج البحث أن المهرجان الدولي للرحل يمثل نموذجًا لتحويل عناصر التراث الصحراوي واللامادي، من موسيقى وفنون وحرف ومعارف محلية وثقافة الترحال، من موارد كامنة إلى موارد ترابية مفعلة، عبر عمليات التثمين والتأويل والتسويق الثقافي، بما يسهم في إعادة بناء الصورة الترابية لمحاميد الغزلان وتعزيز إشعاعها الثقافي والسياحي.

كما بينت الدراسة أن المهرجان لا يقتصر على تنظيم تظاهرة ثقافية موسمية، بل يؤدي دورًا في دمج المجال الواحي ضمن شبكات التدفقات السياحية والثقافية والإعلامية، الأمر الذي يعزز حضوره على المستويين الوطني والدولي.

نتائج الدراسة الميدانية

استند الجانب الميداني إلى استبيان شمل 100 مستجوب من الزوار والساكنة المحلية والفاعلين المرتبطين بالمهرجان، وأظهرت النتائج وجود إدراك واسع لدور المهرجان في:

  • تثمين التراث الثقافي واللامادي للرحل.
  • تعزيز الصورة الذهنية لمحاميد الغزلان كوجهة ثقافية وسياحية.
  • تنشيط الحركة الاقتصادية المحلية ودعم التعاونيات والصناعة التقليدية.
  • تعزيز الإشعاع الإعلامي والسياحي للمنطقة.
  • تقوية الشعور بالانتماء إلى المجال والمحافظة على الهوية الثقافية.

وفي المقابل، أبرزت النتائج الحاجة إلى تعزيز استدامة الأثر التنموي للمهرجان من خلال تطوير الحكامة الترابية والبنية التحتية وتوسيع الشراكات.

توصيات الدراسة

خلصت الدراسة إلى مجموعة من التوصيات، من أبرزها:

  • الانتقال من منطق التظاهرة الموسمية إلى المشروع الترابي المستدام، عبر إدماج المهرجان ضمن استراتيجية تنموية تمتد على مدار السنة.
  • بناء سلة متكاملة من السلع والخدمات الترابية تجمع بين المهرجان، والتراث، والواحة، والمنتجات المحلية، والمسارات السياحية.
  • دعم المقاولات الثقافية والإبداعية الناشئة، وتشجيع الشباب والتعاونيات على الاندماج في سلاسل القيمة الثقافية.
  • تعزيز الحكامة الترابية من خلال شراكات مستدامة بين المؤسسات العمومية والجماعات الترابية والقطاع الخاص والمجتمع المدني.
  • المحافظة على الخصوصية البيئية للواحات، وربط التنمية الثقافية بمبادئ الاستدامة البيئية.

إسهام علمي في النقاش حول التنمية الترابية

يقدم هذا البحث مساهمة علمية في مجال الدراسات الترابية والثقافية، من خلال اقتراح نموذج تحليلي يوضح كيف يمكن للصناعات الثقافية والإبداعية أن تتحول إلى آلية لإنتاج الجاذبية الترابية، عبر سلسلة تبدأ بتثمين الموارد الكامنة، مرورًا بإعادة بناء الصورة الترابية، وصولًا إلى خلق ديناميات اقتصادية واجتماعية وثقافية مستدامة.

كما يشكل البحث مرجعًا يمكن أن يستفيد منه الباحثون والفاعلون الترابيون وصناع القرار في بلورة سياسات عمومية تجعل من الثقافة رافعة للتنمية، وتسهم في تثمين الرأسمال اللامادي المغربي وتعزيز العدالة المجالية، انسجامًا مع التوجهات الوطنية في مجال التنمية الترابية المستدامة.

مقالات ذات صلة