المغرب يكتب التاريخ… صمود رغم الهجمات المنظمة
رغم أن المغرب لم يحقق لقب كأس إفريقيا هذا العام، إلا أن البطولة برمتها كانت شاهدة على قدرة هذا البلد العريق على الصمود والتألق رغم الهجمات المنظمة والاتهامات الموجهة ضده. منذ المباراة الافتتاحية، واجه المغرب حملات إعلامية شرسة، وصلت أحيانا إلى اتهامات جامحة بالفساد والكولسة وشراء الحكام، لكن ذلك لم يثنِ المغرب عن تقديم نسخة مشرفة على كل الأصعدة، مؤكدا للعالم أن كرامته وعراقة تاريخه لا يمكن أن تمس.
التاريخ المغربي حافل بالمواقف التي تعكس صمود هذه الأمة. من الانتصار على العثمانيين في معركة وادي اللبن، إلى مقاومة الاستعمار الفرنسي والاسباني وصولا إلى قرار مجلس الأمن المكرس لمغربية الصحراء، يثبت المغرب أنه بلد لا يعرف الانكسار مهما اشتدت العواصف. واليوم، أمام الحملات الإعلامية المغرضة، أعاد المغرب إنتاج هذه الصورة التاريخية، ملتزما بالقيم التي شكلت هوية الأمة المغربية: النزاهة، الانضباط، والاحترام.
نجاح المغرب خلال البطولة لم يقتصر على الأداء داخل المستطيل الأخضر، بل امتد إلى كل تفاصيل التنظيم. البنية التحتية للملاعب، والخدمات اللوجستية، والإقامة، والنقل، وحتى الراحة المقدمة للجماهير والفرق، كلها برهنت على قدرة المغرب على استضافة أكبر الأحداث الرياضية وفق أعلى المعايير الدولية. الجانب الأمني كان مثاليا أيضا، فقد تمكنت السلطات المغربية من توفير بيئة آمنة ومطمئنة طوال البطولة، وهو أمر نادر الحدوث في كثير من النسخ السابقة من كأس إفريقيا، حيث غالبا ما تصاحب الأحداث الكبرى بعض الفوضى.
المغرب، من خلال روح جماهيره وانضباطه، أعاد تعريف صورة الجمهور العربي والأفريقي، إذ غادر المشجعون الملاعب بهدوء رغم خسارة الكأس، محافظين على الروح الرياضية، وهو ما يعكس نضج المجتمع المغربي وعمق شعوره بالانتماء الوطني. هذه الصورة وحدها كانت فوزا بحد ذاته، فهي تثبت أن المغرب لا يقاس فقط بالبطولات التي يحققها، بل بكيفية تمثيله لقيم النزاهة والانضباط والاحترام.
الحملات الإعلامية المنظمة والاتهامات الموجهة للمغرب لم تكن مجرد نقد رياضي. فقد ظهر منذ البداية وكأن هناك سيناريوهات معدة سلفا لتشويه صورة المنتخب المغربي، بحيث يصبح فوزه دليل كولسة، وخسارته دليل رياضي على نزاهة المنافسين. هذا التحامل لم يكن رياضيا فقط، بل نفسيا وثقافيا، مرتبطا بصورة المغرب الناجح منذ مونديال قطر، حيث هذا البلد نموذجا مزعجا للنجاح والتنظيم والتخطيط الجيد، ما أربك من اعتادوا على الفشل أو التراخي في الأداء.
الازدواجية في المعايير تجاه المغرب كانت واضحة. تتويجه يفهم على أنه نتيجة فاسدة، بينما نجاح أي فريق آخر ينظر إليه على أنه استحقاق رياضي. هذا التحامل المسبق تجاه المغرب يظهر جليا في حقيقة أن الانتقادات لا تركز على الأداء الفني أو التحكيم، بل على مجرد فكرة أن المغرب قد يحقق النجاح.
الغريب أيضا أن كثيرا من هذه الانتقادات تتجاهل تاريخ كأس إفريقيا، الذي حفل بالفضائح التحكيمية والإخفاقات التنظيمية، دون أن تسجل مواقف مماثلة ضد الدول المستضيفة أو توضع في خانة الاتهام قبل بدء المنافسة. المغرب وحده يبدو مستثنى، ليس لأنه فشل، بل لأنه نجح، ونجاحه كشف أن التفوق ممكن لأي بلد مستعد للتحدي والعمل بجد.
البطولة أظهرت للعالم أن المغرب قادر على إدارة الأحداث الكبرى بكفاءة، موحدا الجماهير، وموفرا تجربة متكاملة لكل من اللاعبين والمشجعين، مع الحفاظ على صورة البلد وسمعته. نجاح المغرب لم يكن في رفع الكأس فحسب، بل في مواجهة التحديات، وإظهار القدرة على الصمود أمام الشائعات والهجمات المنظمة.
في النهاية، المغرب لم يفز باللقب، لكنه حقق نصرا أعظم: نصر الاحترام الدولي، والفخر الوطني، وإثبات أن الأمة المغربية صامدة ومستعدة لمواجهة أي تحد بروح رياضية وانضباط عال. البطولة لم تثبت فقط قدرة المغرب على التنظيم، بل أظهرت أيضا مدى نضج شعبه ووعي جماهيره، وكيف يمكن للنجاح أن يحتفل به دون الانزلاق إلى الفوضى أو التسييس.
الدرس الأهم الذي يقدمه المغرب ليس مجرد نتيجة مباراة، بل المثال الذي يقدمه للعالم: أن النجاح والتفوق يقاسان بالعمل الجاد والانضباط، لا بالكولسة أو الشائعات، وأن كرة القدم الإفريقية بحاجة إلى عدالة واحدة، تقاس فيها الإنجازات بموازين واحدة، بعيدا عن الحقد أو الخوف من رؤية المغرب يحقق التميز.
المغرب، بهذا المعنى، لم يخرج من البطولة خاسرا، بل كتب صفحة جديدة في تاريخ كرة القدم الإفريقية، صفحة تحاكي صموده وعزيمته وعراقة تاريخه العظيم.
حسن قديم
مدير نشر موقع الميدان بريس



