القصر الكبير تحت ضغط المياه… إخلاء استباقي لتفادي سيناريو كارثي
تعيش مدينة القصر الكبير، منذ أيام، على وقع وضع استثنائي فرضته التساقطات المطرية الغزيرة وارتفاع منسوب المياه، في مشهد أعاد إلى الواجهة هشاشة المدن القريبة من الأودية خلال فترات الاضطراب المناخي.
فبين أمطار متواصلة، وامتلاء غير مسبوق لمجاري المياه، تحولت المدينة إلى نقطة إنذار مبكر، استدعت تدخلاً عاجلاً من السلطات لتفادي كارثة إنسانية محتملة.
أمطار تفوق المعدلات الموسمية
وفق معطيات الرصد الجوي، شهدت المنطقة خلال فترة زمنية قصيرة تساقطات مطرية كثيفة تجاوزت المعدل الطبيعي لشهر كامل في بضعة أيام، حيث قُدّرت كميات الأمطار المتراكمة بما يفوق 120 إلى 150 ملم في بعض المحطات القريبة من القصر الكبير، وهو رقم مرتفع مقارنة بالمعدل الموسمي المعتاد.
هذا الضغط المطري انعكس مباشرة على وادي اللوكوس، الذي سجّل ارتفاعاً ملحوظاً في منسوب مياهه، ما أدى إلى غمر عدد من الأراضي المنخفضة والأحياء القريبة من مجراه، ورفع منسوب القلق لدى الساكنة والسلطات على حد سواء.
سد وادي المخازن… امتلاء حرج دون بلوغ الخطر
في هذا السياق، عاد النقاش حول وضعية سد وادي المخازن، الذي يُعد من أكبر المنشآت المائية بالمنطقة ويستقبل كميات كبيرة من مياه حوض اللوكوس.
المعطيات المتوفرة تشير إلى أن السد بلغ نسبة ملء مرتفعة تجاوزت 90% من طاقته الاستيعابية، وهو مستوى يتطلب يقظة تقنية دائمة، دون أن يعني ذلك وجود خطر وشيك على سلامة السد أو تهديد مباشر بانهياره.
مصادر تقنية تؤكد أن السد يخضع لمراقبة مستمرة، وأن عمليات تصريف المياه تتم بشكل مضبوط لتفادي أي ضغط إضافي على مجرى الوادي أسفل السد، غير أن تزامن الأمطار الغزيرة مع الامتلاء المرتفع يبقى عاملاً مقلقاً في حالة استمرار الاضطرابات الجوية.
إخلاء استباقي واسع… قرار لتفادي الأسوأ
أمام هذا الوضع، اختارت السلطات المحلية والجهوية منطق الاستباق بدل رد الفعل، عبر إطلاق عملية إخلاء واسعة شملت الأحياء والمناطق الأكثر عرضة للغمر.
وحسب معطيات ميدانية، فقد تم إجلاء ما بين 45 ألف و60 ألف شخص، أي نسبة مهمة من ساكنة المدينة، في واحدة من أكبر عمليات الإخلاء الوقائي التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة.
العملية نُفذت بتنسيق محكم بين السلطات المحلية، عناصر الوقاية المدنية، القوات العمومية، ومصالح الصحة، حيث جرى:
تحديد المناطق الحمراء المعرضة للخطر
إشعار الساكنة بضرورة الإخلاء في آجال زمنية مضبوطة
توفير وسائل نقل لنقل العائلات إلى مراكز إيواء مؤقتة
تأمين الممتلكات ومنع الولوج إلى المناطق المهددة
كما تم فتح مؤسسات تعليمية وقاعات مغطاة لإيواء المتضررين، مع توفير الحد الأدنى من الخدمات الصحية والغذائية، في انتظار استقرار الوضع.
مدينة شبه مشلولة واستنفار متواصل
بالتوازي مع الإخلاء، عرفت القصر الكبير شللاً جزئياً في الحركة، حيث أُغلقت عدة محاور طرقية، وتم تقييد الولوج إلى المدينة، إضافة إلى توقيف الدراسة في عدد من المؤسسات التعليمية كإجراء احترازي.
كما لجأت المصالح المختصة إلى قطع الكهرباء في بعض المناطق المنخفضة تفادياً لحوادث محتملة.
بين الخطر المناخي ونجاعة التدبير
ما تعيشه القصر الكبير اليوم لا يمكن فصله عن التحولات المناخية المتسارعة، التي جعلت الفيضانات أكثر عنفاً وأقل قابلية للتوقع. غير أن طريقة تدبير هذه الأزمة، خاصة من حيث الإخلاء الاستباقي، تعكس وعياً متزايداً بأهمية تقليل الخسائر البشرية قبل وقوع الكارثة.
ويبقى الرهان المطروح مستقبلاً هو الانتقال من منطق التدبير الظرفي إلى حلول بنيوية، تشمل تأهيل مجاري الأودية، تعزيز شبكات التصريف، وتحيين خرائط المخاطر، حتى لا تتحول مدن بأكملها إلى رهائن للأمطار الموسمية.
القصر الكبير اليوم ليست مدينة منكوبة، بل مدينة في حالة يقظة قصوى. وبين أمطار لا ترحم، ومياه ترتفع بصمت، كان القرار الصعب هو إخلاء الآلاف تفادياً لأسوأ السيناريوهات.
رهان نجحت فيه السلطات مرحلياً، لكنه يفتح نقاشاً أوسع حول مستقبل المدن المغربية في مواجهة مخاطر طبيعية لم تعد استثنائية.
كوثر توهتوه



