مراكز التسوق السياسي الكبرى والدكاكين السياسية الصغرى
"الملاحظ للانتخابات التشريعية سوف يلاحظ ان المال هو الفكرة والمنتهى وان السياسة هي سوق اصحاب الثروة والجاه "
د. محمد أمغار
دكتور في العلوم السياسية
عرفت التجارة بالمغرب، خلال السنوات الأخيرة، تحولا كبيرا تجسد في الانتشار المتسارع لمراكز التسوق الكبرى وشبكات التوزيع الحديثة، من الأسواق الممتازة إلى المتاجر الكبرى ومتاجر القرب التابعة لسلاسل تجارية ضخمة. ولم يعد هذا التحول مجرد تغيير في طريقة البيع والشراء، بل أصبح يعكس تحولا أعمق في بنية الاقتصاد وفي علاقة المستهلك بالتجارة وبالاستهلاك نفسه بحيت انتقلنا من تجارة الاساسيات الى تجارة الكماليات التي تضرب في العمق فكرة الادخار لدى الاسر .
ففي مقابل توسع هذه المراكز الكبرى، بدأت الدكاكين الصغرى، التي شكلت لعقود جزءا أساسيا من النسيج الاقتصادي والاجتماعي المغربي، تواجه منافسة متزايدة تهدد وجودها واستمراريتها . والدكان في الحي لم يكن مجرد نقطة للبيع، بل كان فضاء اقتصاديا صغيرا يساهم في خلق رأسمال وطني موزع بين عدد كبير من الأسر والتجار، ويحد، نسبيا، من تمركز الثروة والرأسمال في أيدي عدد محدود من الفاعلين الاقتصاديين .
كما أن طريقة الاستهلاك وكلفته تختلف بين الدكان الصغير ومركز التسوق الكبير. فالمستهلك الذي يقصد بقال الحي غالبا ما يشتري حاجته المباشرة والاساسية وبالقدر الذي تسمح به إمكاناته، أما حين يدخل مركزا تجاريا كبيرا فإنه يجد نفسه أمام عشرات العروض والمنتجات والإشهارات، وقد ينتهي إلى شراء كماليات لم تكن ضمن حاجاته الأصلية. وهنا لا يتعلق الأمر فقط بحرية الاختيار، بل أيضا بقوة النموذج التجاري القائم على العرض والجاذبية وتوسيع دائرة الاستهلاك.
ومن هذه الزاوية وعلى سبيل القياس يمكن الانتقال إلى قراءة ما يجري اليوم في السياسة المغربية.
فكما توجد في المجال التجاري مراكز كبرى تمتلك إمكانات مالية ولوجستيكية وإشهارية ضخمة، توجد في المجال السياسي أحزاب كبرى أو أحزاب تعتمد على الأعيان ورجال المال والاعمال والشبكات القوية، وتتوفر على إمكانات تنظيمية ومالية وبشرية تجعل قدرتها على المنافسة احتكارية.
وبالمقابل، نجد أحزابا صغيرة تشبه، من حيث محدودية الإمكانات، تلك الدكاكين المنتشرة في الأحياء. وهي أحزاب لا تتوفر على الإمكانات الضخمة ولكنها مع ذلك تظل فضاء يمكن أن يلج منه شباب مثقف وطموح إلى العمل السياسي والانتخابي، خاصة أولئك الذين لا يملكون المال ولا شبكات النفوذ ولا القدرة على دخول الاحزاب الكبرى وضمان الترشح باسمها .
واليوم، وبمناسبة الانتخابات نلاحظ ترشح شباب مثقف من ابناء الطبقة الوسطى يحاولون ولوج المؤسسة التشريعية من خلال الترشح بألوان أحزاب تعد بالعشرات، وبإمكانات بسيطة، ويبرز التفاوت الكبير بينهم وبين مرشحي الأحزاب الكلاسيكية، أو الأحزاب التي تعتمد على الأعيان وتستفيد من إمكانات مالية ضخمة، سواء تعلق الأمر بالدعم العمومي أو بالقدرات الذاتية للمرشحين أو بالشبكات الاقتصادية والاجتماعية المحيطة بهم وهو اشبه بالمجال الاقتصادي بحيت تظهر شروط تكافئ الفرص شبه منعدمة .
لذلك فإن الخطر، في السياسة كما في الاقتصاد، يكمن في التمركز المفرط للإمكانات. فعندما تصبح المنافسة رهينة بالمال والشبكات المصلحية والقدرة على الإنفاق، فإن الطبقة الوسطى تجد نفسها تدريجيا خارج دائرة المنافسة السياسية الحقيقية. ذلك أن أبناءها، رغم ما قد يتوفرون عليه من تكوين وكفاءة اذا لم يعتمدو على وسائل النفاق السياسي والانتهازية داخل الاحزاب الكبرى ، واضطرو الى ولوج ما يمكن تسميته بـ«الدكاكين السياسية الصغرى»، أي الأحزاب محدودة الإمكانات فانه يصعب عليهم منافسة مراكز التسوق السياسية الكبرى.
ولعل السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو هل نريد حياة سياسية تقوم على تعدد حقيقي للفرص، يسمح للكفاءة والقدرة على الإقناع بأن تنافس المال والنفوذ؟ أم أننا نتجه، تدريجيا، نحو سوق سياسية تهيمن عليها المراكز السياسية الكبرى، حيث يصبح الولوج إلى البرلمان في حاجة إلى إمكانات مادية تفوق قدرة الطبقة الوسطى و ما يرتبط بها من افكار وحتى احزاب المتقف العضوي .
والديمقراطية، في نهاية المطاف، لا تقاس فقط بعدد الأحزاب الموجودة على الورق، بل بتواجد مؤسسات تعكس الاختيارات المختلفة المنبتقة من تعددية المجتمع، و أيضا بمدى قدرة المواطن، مهما كانت إمكاناته المادية والاجتماعية، على دخول المنافسة السياسية بفرص حقيقية .



