من «الإلياسيين» إلى «اللقجعيين»… هل انتهت الانتخابات قبل أن تبدأ؟
د. حميد النهري
أستاذ المالية العامة بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة، جامعة عبد المالك السعدي — رئيس الجمعية المغربية للمالية العمومية
انتهى الجدل. التحق فوزي لقجع رسمياً بحزب الأصالة والمعاصرة من داخل الدورة الثانية والثلاثين لمجلسه الوطني، منهياً أشهراً من التكهنات حول وجهته السياسية.
لكن نهاية الجدل حول الحزب الذي اختاره لقجع ليست سوى بداية الجدل حول ما يكشفه هذا الالتحاق من تحولات أعمق داخل الحياة الحزبية المغربية.
فمنذ أسابيع، لم يعد السؤال الذي يشغل جزءاً من المشهد السياسي المغربي هو: ما البرامج التي ستتنافس بها الأحزاب في اقتراع 23 شتنبر المقبل؟ ولا: ما القيادات التي أفرزتها تنظيماتها لقيادة المرحلة المقبلة؟ كان السؤال، بكل بساطة: إلى أي حزب سيلتحق فوزي لقجع؟ حتى تحولت دورة المجلس الوطني نفسها، في التداول السياسي والإعلامي، إلى موعد لانتظار جواب واحد.
ولنكن واضحين منذ البداية: ليس في التحاق فوزي لقجع بحزب سياسي ما يستدعي الاستنكار. فمن حق الرجل أن يمارس السياسة، وأن يختار الحزب الذي يراه مناسباً، وأن يترشح للانتخابات مثل غيره، وأن يطمح إلى ما تسمح به قواعد اللعبة الدستورية، بما في ذلك رئاسة الحكومة إذا منحه الناخبون ذلك.
المشكل يوجد في مكان آخر تماماً. إنه في ما رافق هذا الالتحاق قبل أن يقع، وفي ما أحاط به يوم وقع.
فمنذ أن ارتبط اسم الرجل بالبام، بدأت تتشكل حركة سياسية لافتة في اتجاه الحزب: منتخبون يعيدون حساباتهم، ومسؤولون يبحثون عن مواقعهم، ووجوه كانت بالأمس في مواقع حزبية أخرى تستعجل الالتحاق بالسفينة قبل إبحارها. وكأن الانتخابات التي لم تجر بعد قد أفرزت بالفعل رابحها، وكأن رئيس الحكومة المقبل أصبح معروفاً، ولم يبق أمام الآخرين سوى اختيار المكان المناسب على ظهرها.
وهنا يصبح السؤال أكبر من فوزي لقجع، وأكبر من حزب الأصالة والمعاصرة: ماذا بقي من معنى الحزب والبرنامج والانتخابات، إذا بدأ جزء من الطبقة السياسية في الاصطفاف حول «الرابح المفترض» قبل أن يقول المواطن كلمته؟
مشهد القاعة: من حضر من أجل المجلس، ومن حضر من أجل الرجل؟
وقد بدا منذ اللحظات الأولى أن الحدث السياسي والإعلامي لم يكن المجلس الوطني في حد ذاته، بقدر ما كان التحاق فوزي لقجع. وفي التغطيات الأولى، انصرف جانب واسع من الاهتمام إلى وصوله وإعلان التحاقه وانضمامه إلى المكتب السياسي، أكثر مما انصرف إلى تفاصيل البرنامج الانتخابي أو إلى باقي أشغال المجلس. وهذه ليست ملاحظة بروتوكولية، بل مؤشر على أن الشخص أصبح، في نظر جزء من الرأي العام والإعلام، أكبر من الحدث التنظيمي نفسه.
ولا يتعلق الأمر بلوم أحد. فالإعلام يتبع ما يعتبره خبراً، والخبر كان هناك فعلاً. لكن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح هو: ماذا يعني أن يعقد حزب سياسي مجلساً وطنياً مخصصاً في جانب أساسي منه لبرنامجه الانتخابي، ثم تصبح الشخصية القادمة من خارجه أهم إعلامياً وسياسياً من البرنامج والحزب والمجلس مجتمعين؟
وعندها لا نحتاج إلى كثير من التنظير لفهم معنى شخصنة الحياة الحزبية؛ فقد تكفي صورة واحدة من القاعة: بدا كأن المؤسسة تنتظر الرجل، بينما يفترض أن يكون الرجل هو القادم إليها.
بل إن طريقة تقديم الوافد، وحجم الاهتمام السياسي والإعلامي الذي حظي به مقارنة بالقيادة الجماعية وبالبرنامج، تقدم مؤشرات على طبيعة المرحلة الجديدة أكثر مما تقوله كثير من التصريحات.
من الالتحاق إلى المكتب السياسي في اللحظة نفسها
ولم يكن الالتحاق وحده هو المعطى الجديد. فقد أُعلن في الجلسة نفسها عن انضمام فوزي لقجع إلى المكتب السياسي للحزب، رفقة رئيس جهة الداخلة ينجا الخطاط. أي أن المسافة بين الانضمام إلى الحزب وبين دخول أحد أعلى أجهزته القيادية اختُصرت إلى اللحظة التنظيمية نفسها.
ولستُ هنا بصدد الاعتراض على القرار في حد ذاته؛ فلكل حزب أن يدبر هياكله وفق ما تسمح به قوانينه، ولا شك أن الحزب رأى في الثقل المؤسساتي للرجل ما يبرر ذلك. لكن القرار يطرح سؤالاً مؤسساتياً لا مفر منه: ماذا يعني ذلك بالنسبة إلى القيادات والمناضلين الذين راكموا سنوات من العمل داخل الحزب؟ وهل نحن أمام استثناء تفرضه الكفاءة، أم أمام بداية نموذج جديد في صناعة القيادة الحزبية؟
والمفارقة أن الترحيب بالوافدين الجديدين جرى بلغة تحيل على مشروع مجتمعي وعلى أسرة سياسية بناها نضال ممتد لأكثر من ثمانية عشر عاماً. وهي لغة صحيحة في ذاتها، لكنها تجعل السؤال أشد إلحاحاً: إذا كان النضال الممتد ثمانية عشر عاماً هو ما يصنع الأسرة السياسية، فما الذي يصنع، في يوم واحد، عضوية المكتب السياسي؟
حين تبحث الأحزاب عن قياداتها خارج أسوارها
اللافت أن اسم فوزي لقجع لم يرتبط منذ البداية بحزب واحد، بل تحول إلى موضوع تنافس بين أكثر من جهة حزبية، حتى بدا الأمر أحياناً أقرب إلى «ميركاتو» سياسي منه إلى الحياة الحزبية.
وهنا أولى علامات الخلل. فالسؤال لا ينبغي أن يكون فقط: ما قوة الشخصية القادمة؟ بل أيضاً: ما الذي وقع للأحزاب حتى أصبحت في حاجة إليها؟
كيف يمكن لأحزاب تمتلك تاريخاً وتنظيمات وطنية ومحلية، وتعقد المؤتمرات وتنتخب مكاتبها السياسية ومجالسها الوطنية، وتضم آلاف المنخرطين والمنتخبين والبرلمانيين والوزراء، أن تصل عشية استحقاق انتخابي إلى البحث خارج أسوارها عن «السوبر ستار» القادر على حملها إلى الفوز؟
لا يتعلق الأمر برفض الانفتاح على الكفاءات؛ فلا يمكن لأي تنظيم سياسي أن يتحول إلى ناد مغلق، ومن الطبيعي أن ينفتح على المجتمع وعلى الخبرات القادرة على تقديم قيمة مضافة للشأن العام. لكن هناك فرقاً جوهرياً بين استقطاب كفاءة لتعزيز مشروع حزبي قائم، وبين البحث عن شخصية يصبح المشروع الحزبي نفسه معلقاً عليها. في الحالة الأولى تكون المؤسسة أقوى من الشخص، فيدخل إليها ويضيف إليها. أما في الثانية، فيصبح الشخص أقوى من المؤسسة، وتبدأ المؤسسة في إعادة ترتيب نفسها من حوله.
ثم إن السياسة لا تُختزل في إدارة النتائج؛ فهي ليست امتداداً آلياً لنجاح رياضي أو إداري أو مقاولاتي، وإنما مجال لصراع الأفكار والمصالح والاختيارات، وللتفاوض والتوافق، وللمحاسبة أمام المواطنين، ولتدبير الاختلاف وتحمل كلفة القرار. والنجاح في مجال آخر يمكن أن يكون رصيداً مهماً، لكنه لا يصلح بديلاً عن الشرعية التي تبنيها الممارسة الحزبية والانتخابية.
من «الإلياسيين» إلى «اللقجعيين»
وحزب الأصالة والمعاصرة يعرف، وإن بصيغ وسياقات مختلفة، تجربة الاستعانة بشخصيات قوية لم تكن نتاجاً خالصاً لمسار طويل من التدرج داخل هياكله.
ففي فبراير 2012، وبعد المرحلة السياسية الصعبة التي أعقبت أحداث سنة 2011، انتُخب مصطفى الباكوري أميناً عاماً للحزب خلال مؤتمره الوطني. وكان الرجل قادماً أساساً من عالم التدبير المالي والمؤسسات العمومية والطاقة، ولم يكن نتاجاً لمسار حزبي تقليدي طويل. ولا تتطابق تلك التجربة مع ما وقع اليوم؛ فالباكوري وصل إلى الأمانة العامة عبر مؤتمر وانتخاب، بينما التحق لقجع بالحزب وأُعلن انضمامه إلى مكتبه السياسي خلال المحطة التنظيمية نفسها. لكن الجامع بين الحالتين هو لجوء الحزب، في لحظتين مختلفتين، إلى قوة اسم قادم من خارج التدرج التنظيمي المعتاد: آنذاك في سياق البحث عن استعادة التوازن بعد أزمة سياسية، واليوم في سياق الاستعداد لاستحقاق انتخابي حاسم.
ثم جاءت مرحلة إلياس العماري، وفيها كنت أستعمل وصف «الإلياسيين» للإشارة إلى بعض الذين لم يكن واضحاً إن كانوا قد التحقوا بالحزب اقتناعاً بمشروعه، أم التحقوا بالرجل باعتباره القوة الصاعدة في لحظة سياسية معينة. ولم يكن ذلك حكماً على جميع من التحقوا بالحزب آنذاك؛ ففي كل تنظيم مناضلون حقيقيون، وفي كل انتقال سياسي يمكن أن توجد قناعات صادقة ومراجعات مشروعة. لكن الظاهرة كانت قائمة، ثم تغيرت المرحلة، وتبين أن جزءاً من ذلك الزخم كان مستعاراً من قوة الرجل أكثر مما كان نابعاً من رسوخ المؤسسة.
واليوم يعود السؤال نفسه بصيغة ربما أكثر حدة: إذا كان بعضهم يسارع إلى البام لأن لقجع أصبح فيه، فنحن لا نصنع بالضرورة «باميين» جدداً؛ قد نكون بصدد صناعة «لقجعيين».
والفرق جوهري. فالذي يدخل الحزب بسبب المشروع يمكن أن يبقى فيه حين يخسر الحزب الانتخابات. والذي يدخله عن قناعة يمكن أن يعارض قيادته من الداخل. والذي ينتمي إلى المؤسسة يستمر بعد رحيل الأشخاص. أما الذي يدخل بسبب رجل، فيبقى وجوده مرتبطاً ببقاء ذلك الرجل قوياً.
وهنا تكمن المفارقة: الهجرة الواسعة نحو حزب ما قد تعطي الانطباع بأنه يزداد قوة، بينما هي في العمق دليل على هشاشته المؤسساتية. فالحزب القوي ليس فقط من يستطيع استقبال الجميع، بل من يستطيع أيضاً أن يقول: لا.
النبوءة التي تحقق نفسها
في العلوم الاجتماعية مفهوم معروف هو «النبوءة التي تحقق نفسها»: يبدأ الأمر باعتقاد، ثم يتصرف الناس على أساسه، فتنشأ بفعل تصرفهم الظروف التي تجعل الاعتقاد الأول أقرب إلى التحقق.
وهذا بالضبط ما ينبغي أن نحذر منه سياسياً. يعتقد عدد من المنتخبين أن البام سيفوز لأن لقجع التحق به، فينتقلون إليه؛ وبانتقالهم يصبح الحزب أقوى انتخابياً؛ وبقوته الجديدة يتسع الاعتقاد بأنه الفائز المقبل؛ فيلتحق به آخرون. وفي النهاية نقدم النتيجة باعتبارها تعبيراً تلقائياً عن إرادة الناخبين.
وسيكون ذلك صحيحاً من الناحية الشكلية. لكن السؤال السياسي الأعمق سيبقى قائماً: إلى أي حد كانت المنافسة مفتوحة فعلاً، حين بدأت إعادة توزيع موازين القوة قبل أن تنطلق الحملة أصلاً؟
بل قد يتجاوز الأمر ذلك. لقد أثارت الولاية الحكومية الحالية نقاشاً واسعاً حول قوة الأغلبية وتماسكها وحضورها المؤسساتي. أما السيناريو الجديد فيطرح سؤالاً مختلفاً: ماذا لو انتقلنا من هيمنة أغلبية إلى هيمنة حزب واحد داخل الأغلبية نفسها؟ عندها لن يكون السؤال: كيف ستتشكل الأغلبية المقبلة؟ بل: من سيصطف إلى جانب الحزب المهيمن؟ وهذا ليس تفصيلاً في الديمقراطية؛ إنه يمس جوهر التعددية الحزبية.
مفارقة أطرحها دفاعاً عن الديمقراطية
وأصل هنا إلى مفارقة قد تبدو قاسية، وأطرحها دفاعاً عن المنهجية الديمقراطية لا هجوماً عليها.
إذا كان المسار هو أن نبحث أولاً عن شخصية ناجحة من خارج العمل الحزبي، ثم نُدخلها إلى حزب عشية الانتخابات، ثم نعيد ترتيب الحزب حولها، ثم نستقطب المنتخبين والأعيان والنخب باسمها، ثم نخوض الانتخابات على أساس أنها الطريق التي قد توصله إلى رئاسة الحكومة، فما الفرق الجوهري بين هذه العملية وبين إسناد رئاسة الحكومة إلى تكنوقراطي، باستثناء أننا أضفنا إليها المرور الإجباري عبر الحزب وصندوق الاقتراع؟
ولأكن واضحاً: أنا لا أدعو إلى ذلك. لكنني أفضل أن نناقش، بكل صراحة، نموذجاً تكنوقراطياً لرئاسة الحكومة، على أن نفرغ العمل الحزبي والديمقراطي من مضمونه ونحتفظ بواجهته.
فالفصل 47 من دستور 2011، حين ربط تعيين رئيس الحكومة بالحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها، لم يكن يضع قاعدة إجرائية فحسب. كان يقرر أن تكون للانتخابات نتيجة سياسية، وأن يكون للأحزاب معنى، وأن يعرف المواطن أن صوته يساهم في تحديد من سيقود الحكومة. فإذا تحول المسار عملياً إلى البحث أولاً عن الرجل، ثم البحث له عن الطريق الحزبي الموصل إليه، نكون قد حافظنا على النص وخاطرنا بإضعاف فلسفته.
وهنا تكمن خطورة من نوع آخر. فالديمقراطية لا تحتاج دائماً إلى خرق النصوص حتى تُفرغ من معناها؛ يكفي أحياناً أن تبقى المؤسسات قائمة بينما تنتقل صناعة القرار السياسي الفعلي إلى مكان آخر، وأن تبقى الأحزاب موجودة بينما يصبح الشخص أهم منها، وأن تجرى الانتخابات في موعدها بينما يتصرف جزء من الفاعلين كما لو أن نتيجتها أصبحت معلومة.
حين تصبح الانتهازية «ذكاءً سياسياً»
منذ سنوات ونحن نتحدث عن رداءة المشهد السياسي، وضعف التأطير، وهشاشة النخب، والترحال، وتراجع ثقة المواطن في الأحزاب. لكن وصف «الرداءة» وحده لم يعد كافياً. فالرداءة تظل حالة يمكن التعرف عليها وانتقادها؛ أما الأخطر فهو أن تتحول إلى قاعدة مقبولة، ثم يعاد تقديمها بأسماء جميلة.
وهنا نقترب مما تناوله المفكر والفيلسوف الكيبيكي آلان دونو في نقده للميديوقراطية — وهو مفهوم لا يُختزل في التفاهة بمعناها الأخلاقي أو الشخصي — إذ لا يتعلق الأمر بحكم أشخاص متوسطين، وإنما بمنظومة يصبح فيها التكيف مع القاعدة السائدة أهم من مساءلتها، ويصبح إتقان التموقع داخل النظام أهم من القدرة على تغييره.
وليست المشكلة أن يوجد الانتهازي؛ فالانتهازية السياسية قديمة قدم السياسة. المشكلة أن تصبح الانتهازية سلوكاً عقلانياً يُحتذى به، وأن يصبح تغيير الحزب كلما تغير اتجاه القوة أمراً عادياً لا يحتاج حتى إلى تفسير.
ولا يمكن هنا إعفاء جزء من الخطاب التحليلي والإعلامي من المسؤولية. فالمفارقة أن بعض من قضوا سنوات يشتكون من ضعف الأحزاب والترحال السياسي وشخصنة التنظيمات، أصبحوا اليوم يجدون لهذه الظواهر نفسها أسماء أكثر أناقة بمجرد أن ارتبطت بشخصية ناجحة: فالترحال يصبح «استقطاباً»، والشخصنة «قيادة قوية»، والاصطفاف حول مركز النفوذ «قراءة ذكية للمرحلة».
بل إن الأدهى من إعادة التسمية هو ما بدا، في الساعات الأولى، من تراجع للنبرة النقدية. فحين كان الحديث يدور قبل أسابيع عن «ميركاتو» سياسي وعن تنافس أحزاب على استقطاب شخصية واحدة، لم تكن الأقلام والمنابر تبخل بالتوصيف ولا بإثارة الأسئلة. أما بعد وقوع الحدث، فقد انتقل جانب من الخطاب من مساءلة الظاهرة إلى شرح مزاياها، ومن نقد الشخصنة إلى البحث عن المفاهيم التي تمنحها شرعية سياسية ونظرية.
والسؤال المشروع هنا بسيط: هل تغيّرت الظاهرة، أم تغيّر موقع من يعلّق عليها؟
وإذا كنا نرفض الظاهرة حين يقوم بها شخص لا نراهن عليه، ثم نجد لها المبررات حين يقوم بها شخص نحترمه، فنحن لا نحلل السياسة؛ نحن نختار معسكرنا ثم نبحث له عن التحليل المناسب. وهنا لا يعود المحلل مجرد شاهد على الرداءة، بل قد يصبح جزءاً من عملية تطبيعها.
فدور التحليل السياسي ليس اكتشاف الرابح مبكراً ثم الانضمام إليه خطابياً، وإنما مساءلة القوة أياً كان صاحبها. بل إن الشخصية الأقوى تحتاج إلى النقد أكثر من غيرها، لأن القوة التي تجد أمامها التصفيق فقط سرعان ما تفقد القدرة على رؤية حدودها. ولهذا فإن أخطر خدمة يمكن أن تُقدَّم لفوزي لقجع اليوم هي التصفيق له قبل أن يبدأ.
الاختبار الحقيقي: هل يستطيع أن يقول «لا»؟
ومع ذلك، سيكون من الظلم أن ينتهي هذا النقاش عند صورة واحدة. فهناك احتمال آخر ينبغي وضعه على الطاولة: أن يقرر فوزي لقجع نفسه ألا يكون مجرد مستفيد من هذه الهجرة، بل أن يجعل منها أول اختبار لمشروعه السياسي.
فجزء مهم من رصيده الرمزي مرتبط، في نظر مؤيديه، بصورة المسؤول الذي يشتغل بمنطق الأهداف والنتائج والنجاعة. والسؤال المنطقي إذن: هل سيطبق منطق الحكامة على الحزب نفسه؟
في الحساب الانتخابي القصير الأمد، يبدو فتح الأبواب أمام الجميع قراراً عقلانياً: كل منتخب يأتي بأصوات، وكل رئيس جماعة يحمل شبكة محلية، وكل شخصية ذات نفوذ قد تزيد فرص مقعد إضافي. لكن إذا كان الطموح أكبر من مقاعد شتنبر، فإن المعادلة تنقلب. عندها لا يصبح السؤال: كم شخصاً التحق بالحزب؟ بل: من التحق؟ ولماذا؟ وبأي رصيد؟ وبأي شروط؟
ولهذا قد يكون رفض بعض الوافدين أدلّ على مشروعه السياسي من استقبال العشرات منهم. والمفارقة أن نجاحه في جذب الناس قد يصبح أكبر مشكلة تواجهه: فكلما ارتفع احتمال الفوز، صعب التمييز بين من جاء اقتناعاً ومن جاء انتهازاً، وارتفعت كلفة قول «لا». ومن يريد قيادة السفينة عليه أولاً أن ينظف سطحها قبل الإبحار، وذلك أصعب بكثير من استقبال ركاب جدد.
ثم هناك سؤال لا ينبغي الهروب منه. فالرجل مسؤول حكومي في قطاع بالغ الحساسية يرتبط بالميزانية والمالية العمومية، وهو في الوقت نفسه رئيس للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، في مرحلة يعرف فيها المغرب تعبئة استثمارات ومشاريع ضخمة استعداداً لاستحقاقات رياضية دولية كبرى. ومع دخوله الرسمي إلى العمل الحزبي، واحتمال خوضه المنافسة الانتخابية المقبلة، أصبح مجال ثالث يضاف إلى المجالين السابقين.
ولا يعني الجمع بين هذه المواقع وجود تضارب للمصالح، ولا يجوز تحويل السؤال إلى اتهام دون وقائع. لكن الحكامة تبدأ تحديداً حين يُطرح السؤال قبل ظهور المشكلة لا بعدها: كيف سيجري الفصل الواضح بين المسؤولية الحكومية والمنافسة الحزبية؟ وكيف نضمن ألا تتحول المكانة الرياضية إلى رأسمال انتخابي غير متكافئ؟ هذه أسئلة ستواجه أي شخص يجمع هذا الحجم من المسؤوليات والنفوذ المؤسساتي، بل قد تكون فرصة له ليقدم نموذجاً أكثر وضوحاً في تدبير الحدود بين الوظائف. فالحكامة ليست فقط أن تنجز، بل أيضاً أن تجعل الآخرين قادرين على معرفة بأي صفة تتصرف في كل لحظة.
والمسؤولية لا تقع عليه وحده. فالاختبار الأكبر قد يكون لحزب الأصالة والمعاصرة نفسه: هل يستقبل لقجع باعتباره إضافة إلى مؤسسة قائمة، أم يعيد بناء المؤسسة حوله؟ وهل يستطيع مناضل داخله أن يعارضه غداً دون أن يصبح خارج المرحلة؟ وهل تناقش أجهزته البرنامج والاختيارات فعلاً، أم تتحول إلى فضاء للتزكية والتصفيق؟
وهنا يظهر السؤال الذي سيحدد مستقبل التجربة كلها: هل جاء لقجع إلى البام ليستمد شرعيته الحزبية من المؤسسة، أم أن الحزب قرر منذ اللحظة الأولى أن يستمد جزءاً من شرعيته الانتخابية من لقجع؟ وبين السؤالين يوجد الفارق كله بين مؤسسة تستقبل شخصية قوية، وشخصية قوية تعيد تشكيل المؤسسة.
تجديد الأعمار لا يكفي
وأعرف مسبقاً أن مثل هذا الكلام لن يروق للجميع، وأن هناك من سيعتبره مبالغة في قراءة حدث سياسي عادي، أو تشكيكاً في حق الأشخاص في تغيير مواقعهم واختياراتهم. وقد يأتي بعض الاعتراض من وجوه شابة اكتشفت مبكراً أن أقصر الطرق في السياسة ليس دائماً بناء المسار، ولا الدفاع عن الأفكار، ولا تحمل سنوات العمل الميداني، وإنما حسن قراءة اتجاه الريح والاقتراب، في اللحظة المناسبة، من مركز القوة الصاعد.
ولا مشكلة في الاختلاف؛ فهو جوهر السياسة. لكن المشكلة تبدأ حين يُقدَّم البحث عن الفرصة باعتباره تجديداً للنخب.
فالشباب الذي تحتاجه السياسة المغربية ليس جيلاً جديداً يتعلم بسرعة عادات السياسة القديمة، وإنما جيلاً يغيّرها. وإلا فما جدوى تجديد الأعمار إذا ظلت الممارسات هي نفسها؟
تمهّلوا… المغاربة لم يصوّتوا بعد
قد يترشح فوزي لقجع ويفوز في دائرته. وقد يتصدر البام الانتخابات أو لا يتصدرها. وقد يصل الرجل إلى رئاسة الحكومة أو لا يصل. كل ذلك ستقرره في النهاية صناديق الاقتراع والمؤسسات الدستورية.
لكن هناك اختباراً يبدأ قبل ذلك كله. فإذا كانت أولى نتائج دخوله السياسة هي المزيد من الترحال، والمزيد من الشخصنة، والمزيد من الاصطفاف حول «الرابح»، فسنكون قد غيّرنا الأشخاص وأبقينا السياسة على حالها. أما إذا استُعملت قوة الاسم لفرض قواعد أكثر صرامة في اختيار المرشحين، وللفصل الواضح بين المسؤوليات، ولتقوية المؤسسة على حساب الولاءات الشخصية، فقد تتحول المفارقة كلها إلى فرصة.
فالمشكلة ليست أن يذهب لقجع إلى السياسة. المشكلة أن تذهب السياسة كلها إلى لقجع.
ولذلك، ونحن نسمع منذ الآن أسماء الفائزين والخاسرين، ونتابع من يركض نحو هذه السفينة ومن يغادر تلك، ربما ينبغي أن نقول للجميع شيئاً بسيطاً: تمهّلوا قليلاً… المغاربة لم يصوّتوا بعد.
فإذا كانت الديمقراطية تعني شيئاً، فهي تعني أولاً أن الرابح لا يُعرف قبل الانتخابات. وإذا أصبح معروفاً قبلها، وبدأ الجميع يتصرفون على هذا الأساس، فلن يعود السؤال: من سيفوز في الانتخابات؟ بل سيصبح أكثر إزعاجاً: هل انتهت الانتخابات قبل أن تبدأ؟



