مدرجات النقاش الجامعي بفاس: من التكوين إلى صناعة البدائل… نحو نموذج جامعي متفرد في تحليل السياسات العمومية
تُرسخ جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس موقعها كفضاء جامعي متجدد يتجاوز الوظيفة التقليدية للتكوين، نحو أفق أرحب يقوم على إنتاج المعرفة النقدية وصناعة النقاش العلمي الهادف. ويتجسد هذا التوجه من خلال تنظيم الدورة الثالثة من “مدرجات النقاش الجامعي”، المخصصة لمسابقة اختيار أفضل الأوراق البحثية في مجال السياسات العمومية، والتي جرت أطوارها تحت إشراف مختبر الدراسات القانونية والسياسية ومختبر إنصاف، ضمن شعار يعكس عمق الرهان الأكاديمي:“الطلبة الباحثون بين تفكيك السياسات العمومية واقتراح البدائل”.
لم تكن هذه المبادرة حدثا ظرفيا، وإنما ثمرة مسار مؤسساتي متدرج راكمته الجامعة عبر سنوات من الدعم والتأطير والتتبع، ما أفضى إلى تحويل هذه المسابقة إلى موعد علمي سنوي قار داخل الجامعة. وقد أسهم هذا التراكم في تعزيز إشعاعها الأكاديمي، وجعلها فضاءً يستقطب الطلبة الباحثين والأساتذة المهتمين بقضايا السياسات العمومية، في أفق ترسيخ ثقافة النقاش العلمي الرصين داخل الحرم الجامعي.
وفي هذا السياق، يكتسي دور رئاسة الجامعة أهمية مركزية في دفع هذا الورش العلمي، إذ برزت كفاعل مؤسساتي حاضر في مختلف مراحل الإعداد والتنفيذ، من خلال مواكبة المبادرات الأكاديمية ودعمها بشكل متواصل، مع تعزيز قنوات التواصل مع الفاعلين البيداغوجيين والطلبة الباحثين. ويعكس هذا التفاعل الدائم رؤية واضحة تجعل من الجامعة فضاءً منفتحاً على الإبداع والتجديد، ومختبرا حقيقيا لإنتاج الأفكار وتطوير أدوات التفكير العلمي، بما ينسجم مع التحولات التي تعرفها الجامعة الحديثة.

ومن جانبه، أكد الدكتور محمد بوزلافة، عميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بفاس، أن هذه الدورة تمثل إضافة نوعية في مسار ترسيخ ثقافة التميز داخل الجامعة، إذ تساهم في خلق مناخ تنافسي صحي بين الطلبة الباحثين، يتيح لهم تطوير مهارات التحليل والتفكير والاقتراح. وأضاف أن الكلية تعتبر التميز العلمي خياراً استراتيجياً ثابتاً، وهو ما يتجلى في مختلف المشاركات العلمية التي تخوضها، والتي تعكس حضوراً أكاديمياً متقدماً ومكانة متميزة داخل المشهد الجامعي الوطني.

أما الأستاذة زبيدة نكاز، منسقة ماستر الدستور والحكامة المالية ومديرة مختبر إنصاف، فقد أبرزت أن توسع دائرة المشاركة في هذه الدورة، بعد أن كانت محصورة في ماستر الدستور والحكامة المالية، يعكس حجم الثقة التي أصبحت تحظى بها المبادرة داخل الوسط الجامعي، سواء من حيث التنظيم أو من حيث القيمة العلمية للأوراق البحثية المقدمة. وفي الاتجاه نفسه، اعتبر الدكتور بدر الخلدي، مدير مختبر الدراسات القانونية والسياسية، أن هذه التجربة أسهمت في الارتقاء بجودة التكوين وتعزيز روح التنافس العلمي، مؤكداً أنها أصبحت أداة فعالة لترسيخ التفكير النقدي في تحليل السياسات العمومية داخل الجامعة.

ويُعد الإطار التحكيمي من أبرز مؤشرات تطور هذه المسابقة، حيث شهد توسيعاً لافتاً شمل مختلف مختبرات شعبة القانون العام، إضافة إلى مختبر الكلية متعددة التخصصات بتازة، وهو ما أضفى على العملية بعداً مؤسساتياً متعدد المرجعيات، يعزز الشفافية ويكرس مصداقية التقييم العلمي للأوراق البحثية.
وعلى المستوى العلمي، شكلت لجنة التحكيم إحدى الركائز الأساسية لهذه الدورة، ليس فقط من حيث التقييم، ولكن أيضاً من حيث تجسيدها لمبدأ التعدد الأكاديمي وتكامل الخبرات. وقد ضمت اللجنة نخبة من الأساتذة الباحثين، من بينهم: الدكتور مصطفى إجاعلي، والدكتور محمد بوزلافة، والدكتور نبيل الزكاوي، والأستاذة زبيدة نكاز، والدكتور محمد العيساوي، والدكتور عبد الواحد القريشي، والدكتور بدر الخلدي، والأستاذة مريم لخضر، إلى جانب الأساتذة عبد الغني بلغمي، وأحلام بوقديدة، وأحمد الدحماني، ورشيد عدنان، وعزيز السعيدي، ومصطفى المريني، وإلهام بخوشي، وفاروق البضموسي، ومريم الخمليشي، وإسماعيل الرزاوي، والدكتور أمين السعيد. ويعكس هذا التنوع في التخصصات والخبرات حرص الجامعة على ترسيخ معايير النزاهة والدقة في تقييم أوراق السياسات العمومية.

أما على مستوى المشاركة، فقد عرفت هذه الدورة انفتاحاً واضحاً بعد أن كانت الدورات السابقة محصورة أساساً في ماستر الدستور والحكامة المالية باعتباره النواة المؤسسة للمبادرة، لتشهد هذه النسخة انخراط أربعة مسالك للماستر: ماستر الدراسات الدولية، وماستر المنازعات الإدارية والتنمية الترابية، وماستر القانون الإداري والتدبير الجهوي، إلى جانب ماستر الدستور والحكامة المالية. ويعكس هذا التوسع انتقال المبادرة من إطار تخصصي محدود إلى فضاء أكاديمي متعدد التخصصات، يعزز التفاعل بين الطلبة الباحثين ويكرّس روح التنافس العلمي.
وتجسد لحظة التتويج خلاصة هذا المسار العلمي، حيث تم تكريم الطلبة الفائزين في أجواء احتفالية عكست البعد التحفيزي للمسابقة. وقد آلت النتائج إلى تتويج الطالبة إيمان بنحبيب عن ماستر الدراسات الدولية، والطالبة آية وعضي عن ماستر المنازعات الإدارية والتنمية الترابية، فيما فاز الطالب محمد الطيبي عن ماستر القانون الإداري والتدبير الجهوي، والطالب مصطفى هنو عن ماستر الدستور والحكامة المالية.

وتؤكد جامعة سيدي محمد بن عبد الله، من خلال هذه التجربة، أنها لا تكتفي بدور نقل المعرفة، بل تضطلع بدور فاعل في إنتاجها، عبر جعل الطالب محور العملية العلمية، وشريكا أساسيا في التفكير والتحليل واقتراح الحلول، ضمن رؤية مؤسساتية تراهن على ترسيخ التميز، وتعزيز الانفتاح على المقاربات الحديثة في فهم السياسات العمومية وتطويرها.

وفي ختام أشغال هذه الدورة، أكد الدكتور أمين السعيد، منسق مبادرة “مدرجات النقاش الجامعي”، أن هذه النسخة بصمت على تطور لافت من حيث حجم المشاركة وتنوع المسالك والتخصصات المنخرطة، بما يعكس تنامي الثقة الأكاديمية التي أصبحت تحظى بها هذه المبادرة داخل الجامعة وترسخ مكانتها كإطار علمي جاد وذي مصداقية. وأضاف أن ما راكمته هذه التجربة من تنظيم محكم، وصرامة في التحكيم، ووضوح في المنهجية، جعلها تتجاوز طابع المنافسة التقليدية لتغدو فضاء جامعيا رصينا لتبادل الأفكار وصياغة البدائل العلمية القابلة للنقاش والتطوير. وأبرز أن هذه الدينامية تعكس جدية المشروع واستمراريته، كما تؤكد قدرته على إرساء ثقافة البحث النقدي وتعزيز التقاطع بين التخصصات داخل الجامعة.



