ماستر “الدين والسياسة والمجتمع العالمي”.. طلبة مغاربة في تجربة بحثية بأعرق الجامعات الإيطالية

تستقبل جامعة بادوفا الإيطالية، إلى جانب جامعة بريمونتي أورينتالي، الفوج الخامس لطلبة ماستر “الدين والسياسة والمجتمع العالمي”، في إطار مشروع بحثي مشترك يجمعهما بالجامعة الدولية بالرباط، في تجربة أكاديمية عابرة للحدود تعكس تحولا نوعيا في التعاون الجامعي بين المغرب وإيطاليا.

ولا يندرج هذا البرنامج ضمن مسار أكاديمي تقليدي فحسب، بل يمثل شراكة علمية مهيكلة تقوم على تصور بحثي ثلاثي الأبعاد، تتقاسم فيه الجامعات الثلاث التأطير العلمي والإشراف الأكاديمي، ويتيح هذا البناء البيداغوجي للطلبة الاستفادة من مدارس فكرية متعددة، ومقاربات نظرية وميدانية متكاملة لدراسة الدين وعلاقته بالسياسة والمجتمع العالمي.

تكوين دولي في سياق عالمي متحول

يضم الفوج الخامس من البرنامج أكثر من ثلاثين طالبا وطالبة مغربية إضافة إلى طلبة من دول عربية أخرى، يخوضون تجربة أكاديمية تمتد بين الرباط وبادوفا وبيمونتي أورينتالي، بما يمنح التكوين بعدا دوليا حقيقيا ويفتح أفق المقارنة بين السياقين المتوسطي والأوروبي.

ويعالج الماستر قضايا بحثية راهنة، من بينها تدبير التعددية الدينية، وتحولات الفاعلين الدينيين في المجال العام، وأثر العولمة في إعادة تشكيل العلاقة بين الدين والسياسة.، كما يعتمد مقاربة متعددة التخصصات تجمع بين العلوم السياسية وعلم الاجتماع والدراسات الدينية والعلاقات الدولية، مع توظيف منهجيات البحث الكمي والنوعي في العلوم الاجتماعية.

ولا يقتصر التنسيق بين الجامعات الثلاث على تنقل الطلبة، بل يشمل تنظيم ندوات علمية مشتركة وورشات بحث وإشرافا مزدوجا على مشاريع التخرج، بما يعزز جودة البحث ويرفع من مستوى التأطير الأكاديمي، في نموذج يعكس انتقال التعاون الجامعي من اتفاقيات شكلية إلى مشاريع بحثية قائمة على الإنتاج المشترك للمعرفة.

نضال حمري: تجربة الهجرة عمقت اختياري العلمي

وفي تصريح لموقع الميدان بريس، قالت الطالبة نضال حمري، أن اهتمامها بالعلاقة بين الدين والسياسة لم يتشكل نظريا فقط، بل انطلق من تجربتها الشخصية كمهاجرة مقيمة في إيطاليا منذ عشر سنوات.

وأوضحت أن دراستها لعلم الاجتماع في المغرب، إلى جانب عيشها اليومي في مجتمع أوروبي متعدد الثقافات والأديان، جعل قضايا الهوية والتعدد أكثر واقعية وملموسة بالنسبة لها، مضيفة أن البرنامج يمثل امتدادا طبيعيا لمسارها العلمية
ولفتت نضال إلى إن ما شدها إلى هذا الماستر هو الإشعاع العلمي الكبير لجامعة بادوفا في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية، وسمعتها الدولية التي تضفي على النقاشات والبحوث قيمة علمية عالية، فضلا عن الحركية الطلابية والتفاعل مع باحثين وخبراء من خلفيات متنوعة.

ولفتت الطالبة الباحتة إلى أنها تطمح من خلال هذا التكوين إلى تعميق معارفها السوسيولوجية واكتساب أدوات تحليلية لفهم أدق للعلاقة بين الدين والسياسات العامة، بما يؤهلها مستقبلا للعمل في مجالات الاندماج الاجتماعي والحوار بين الثقافات.

إسماعيل الشواني: الماستر يقدم مقاربة مركبة لفهم الدين في العالم المعاصر

من جهته، أوضح إسماعيل الشواني، في تصريح خص به الميدان بريس ، أن اختياره لهذا الماستر يندرج ضمن مسار علمي تشكل عبر سنوات من البحث في تقاطعات الفكر والهوية والتحولات الاجتماعية.

وأكد الشواني أن فهم العالم المعاصر يقتضي مقاربة مركبة تجمع بين التحليل السياسي والدراسة الدينية والبعد السوسيولوجي، مشيرا إلى أن البرنامج يعالج الظواهر الدينية بوصفها عنصرا فاعلا في المجال العمومي ومؤثرا في تشكل السياسات وبنية الدولة.

وأضاف المتحدث أن ماستر “الدين والسياسة والمجتمع العالمي” يوفر تكوينا متعدد التخصصات يجمع بين النظرية السياسية المقارنة، ودراسات العلمنة والتعددية الدينية، وتحليل النزاعات والهجرة وحقوق الإنسان، ضمن بيئة بحث دولية تتيح الانتقال من المستوى النظري إلى الاشتغال التحليلي والتطبيقي.

وأشار الطالب الباحث أن اختيار هذا المسار يرتبط أيضا بتاريخ جامعة بادوفا العريق الممتد لأكثر من تسعة قرون، وما تمثله من تقليد مؤسساتي راسخ في البحث العلمي وحرية التفكير، بما يعزز دراسة العلاقة بين الدين والسياسة ضمن منظور عالمي مقارن.

تعاون جنوب–شمال قائم على إنتاج المعرفة

وتضطلع الجامعة الدولية بالرباط بدور محوري في ربط البحث العلمي المغربي بالشبكات الأكاديمية الأوروبية، فيما توفر جامعتي بادوفا وبريمونتي أورينتالي فضاء بحثيا متقدما وخبرة طويلة في دراسة الدين ضمن السياقات الغربية.

وفي سياق عالمي تتزايد فيه الحاجة إلى فهم أعمق للعلاقة بين الدين والسياسة، يمثل هذا المشروع البحثي نموذجا للتعاون الأكاديمي جنوب–شمال، قائما على تبادل المعرفة وإنتاجها بشكل مشترك، ومؤسسا لتكوين جيل جديد من الباحثين القادرين على مقاربة القضايا الدينية والسياسية بأدوات تحليلية رصينة، بعيدا عن القراءات الاختزالية.

وبين الرباط وبادوفا وبيمونتي أورينتالي، تتشكل تجربة أكاديمية واعدة تعكس دينامية جديدة في التعاون الجامعي

مقالات ذات صلة